الرئيسية » عين حرة »

كومبارسات وطن…

ذكرياتٌ وكوابيس الحروب وقشعريرة جلد أبي تذكارًا للجو القارس الذي ميز حقبة الجنيرال *فراكو* أبي لاجودان شاف في عقده الثامن يبيت الليل كله يصيح في نومه وهو يررد كلمات الحقبة التي قاس فيها الأمرين هو وزملاؤه الجنود البُسَّل ،ويحكي لي أبي قصته مع جنرالات مغاربة وأجانب وهو كله حماسة كأنه يعيش تلك اللحظة وبأسف ينهي دائما قصصه الواقعية ،حيث ٱنتهى به الأمر إلى هذه المدينة وبهذا المعاش الهزيل الذي يزيد من سخطه وأسفه على التضحيات والبطولات التي لم يجني من خلالها سوى نياشين وأوسمة لا تغني ولا تسمن من جوع ،ف1300 درهم هو تقاعد أجودان شاف ساهم في تحرير المغرب
من ربقة الإستعمار وعاين الموت أكثر من مرة وٱختار وطنه حيث ولد ،رغم أنه خيِّر بينه وبين فرنسا فٱختار طواعية المغرب لإستكمال بناء صرحه مع رفقاء دربه أهذا هو جزاؤه؟!أهكذا الإعتراف بالعمل الكاد والجاد؟ أهذا هو جزاء الوطنية الحرة الخالصة وحب الوطن؟
لقد ترددت أكثر من مرة عند كتابتي هذه السطور لأنني أستشيط غضبا خصوصا عند مقارنتي بين تقاعد جيش البطولات حقبة الوالد برتبة أجودان شاف 1300 درهم وتقاعد جيش الرَّاحة وأفضل هذه التسمية 2300 درهم لرتبة عرِّيف ،معادلة صعبة لا يفك طلاسمها حتى أساتذة الجبر النبهاء ،ولكني يمكنني ذلك الجيش القديم جيشٌ متهالك و يشكل عالة على الدولة وٱنتهت صلاحيته كعلبة ماكرونة ولم يعد يصلح لأي شيء ويبقى إسمه وبطولاته تردَّد في أعياد الإستقلال فقط حيث التكريم والحفاوة بأناس دفنتهم الدَّولة وٱقتصردورهم ككومبارس في مسرحية التحرير ،إنَّ أبي وأمثاله قاسوو الأمرين وببسالة
دافعوا عن حوزة الوطن وهذه هي النتيجة : الإهمال والنسيان ٱنتظار لحظة النعي كي تصير 1300 درهم 600 درهم عند الوفاة للأم الأرملة لتعيش هي كذلك تقاعد مرير وفي زمهرير الغلاء والأزمة .
ٱنتهت المسرحية وأعاد أبي الكومبارس البدلة المستعارة وأزيح السِّتار وٱستفاق الوالد على الخدعة والمكر ونكران الجميع، محاولات ومراسات حررتها بخِط يدي إرضاءًا له بلا جدوى وكنت أعرف ذلك مسبقًا مادامت ليست هناك ركيزة ودعامة في المركز تدعم الملف ،وأخيراً ٱنتهى المطاف بوالدي العزيز مكتئباً وغريباً عن وطن لا يربطه به سوى الإسم والسكنى ربَّما لو كان في دولة غير المغرب في المزمبيق مثلا لرفع دعوى رد الإعتبارضد الدولة ولربحها ولكن 1300 درهم لن تكفي أتعاب المحامي ومايبقى في وسعه (الوالد طبعاً)سوى توجيه دعوى مجانية لله سبحانه وتعالى هو وحده القادر على
إرجاع الأمور لنصابها .
الفكر دائما شارد مع ذكريات وأصدقاء قدامى أكلتهم قُرادة التجديد والعولمة التي تحارب كل ماضٍ حتى ولو كان إنسانا وروحاً ،ويريد الوالد أن يحصر فكره في اللحظة التي يعيشها ويقاطع الماضي فتراوده مرَّات ولماماً ٍ ٱبتسامات وآمال سرعان ما يكتشف أنها أوهام وسراب فثلاثين سنة خدمة عسكرية ليست سهلة النسيان بحروبها وأجرها النزير وظروفها المناخية القاسية و ..و… …و فرغم الضحك النَّشاز بعض المرَّات الخارج عن العادة والذي لا ينسجم وظرف الحكرة والذل والمهانة وجميع المواصفات التي تنطبق على المحارب القديم الذي هو أبي الذي أفتخر به وأعتزبه لأنه مناضل شريف كان
همه الوحيد هو ضحد الإستعمار ونصرة الإسلام ورفع راية المغرب عاليا رغم الجحود ونكران للجميل يفتخر كونه مغربي وإبن هذا البلد ،فمحمد شكري بكتابه *الخبز الحافي* الذي ترجم إلى لغات عدة حسبما قرأت يحكي تجربة حياتية بلغة عامية ،وٱكتسب هذا الكتاب شهرة عالمية أنقدت كاتبه الذي لا يثقن الكتابة أصلا، وبمعرض حديثي عن محمد شكري ومحنته هذه الأخيرة التي عاشها المحارب القديم في لحظات أقول لحظات، فمحمد شكري يحكي حياة القهر والفقر في الزُّقاق بينما الوالد المحارب القديم عاش هذه الحياة بقساوة عشرات المرات بجوها وعرائها وهجرتها وقلة نومها ،فأبي على غرار أصدقائه
المحاربين القدامى يمكن أن تؤلف بشأنهم روايات وليست رواية واحدة وأنا على يقين تام أنها لن تحظى بالشهرة التي حظيت بها رواية محمد شكري التي تحكي في فصول منها عن الجنس والشذوذ وهذا ما راق الغرب وأعطى للرواية هذه الشهرة لأنها خرجت عن المألوف وكسَّرت طابو الحياء ،أما في التجربة الواقعية للمحارب القديم فيها من الصرَّامة والحزم الشيء الذي لا يصلح أن يكون رواية سينمائية ولكن يصلح أن يكون كابوس يراود أبي كل ليلة ويوقظ مضجعه .
إن المحارب القديم مغربي كباقي المغاربة ولم تنتهي مدة صلاحيته فلماذا لا يحظى بالحقوق المنصوص عليها في جميع الدساتيروالمواثيق الدولية :العيش الكريم ،فأي كرامة ب 1300 درهم ؟!!! وأي كرامة بلا مأوى ولا مصدر رزق ،إن المحارب القديم أصبح عالة على الدولة أقولها بملإ فِي لأن معاشه يثقل كاهل الميزانية ،وأصبح من المواضيع الي يتحاشاها أي مسؤول لأنها لا تعنيه ،تأرقه ،لا تعود عليه بنفع ويفضل برلمانيونا أن يناقشوا مواضيع تخص تعويضاتهم وتقاعدهم على أن ينبشوا في ملف عليه غبار أهل الكهف ويستهلك الوقت .
إن المحاربون القدامي تكالبت عليهم الدولة وجمعيات المحاربين القدامى التي لا ترقى إلى مستوى المتحدث بإسم المحارب القديم لأنها تجيد فقط فن الميم بإيماآت لا معنى لها ولا تجيد إلا حركة السَّمع والطاعة ،ويقتصر دورها على الإرساليات التي ثارة زيت زيتون أو دجاج لا علاقة لها بمصالح المحارب أكثر من أنها لمصلحة رؤساء الجمعية وهذا موضوع آخر سندخل في تفاصيله في مناسبة لاحقة،ورجوعاً للموضوع الأساس لأختم قائلا إن أبي وأمثاله من المحاربين القدامى سقطوا سهوا في دولة ٱعتبرت زعماء التاريخ سرابا وخيالا وذاكرة أصحابها كومبارسات الوطنية.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz