الرئيسية » عين حرة »

كيف يقرأ الدستور: مبدأ روح الدستور (2)

لم يعد القانون الدستوري اليوم مرتبطا بالتفسير السطحي للنصوص الدستورية، بل امتدت دراسته لتشمل قضايا أخرى كالحياة السياسية، والأحزاب السياسية، والجماعات الضاغطة، والرأي العام، والأسس الاقتصادية للنظام وتركيبته الاجتماعية… الأمر الذي جعل معه القراءة الدستورية الحديثة تتجاوز التنظيم التقني لأبواب الدستور، والترتيب الفني لمواده وفصوله، بل تعتبر أكثر من ذلك، مرتبطة عضويا بالفلسفة الناظمة للوثيقة الدستورية، وبالتالي تصبح القراءة السليمة للوثيقة الدستورية هي تلك القراءة الناظمة التي تتجاوز حد المنطوق لتفحص الغايات الكلية لوحدة النص شكلا ومضمونا، أو بمعنى آخر روح النص وجوهره.

ويفهم من مبدأ روح الدستور أن للنص الدستوري، بالإضافة إلى منطوقه الصريح، أهداف وغايات ومقاصد وأبعاد دستورية التي تروم المشرع ترسيمها في الدستور لتصبح بذلك قواعد ثابتة ومستقرة لتنظيم السلطة وتوزيع ممارستها بين مختلف المؤسسات. وهو ما يطلق عليه، أيضا، في اجتهادات القضاء الدستوري بمبدأ ”تطابق القواعد القانونية مع الهدف المتوخى منها”، مما يقتضي معه، سن تدابير تكون في طبيعتها وشروطها والأثر المتوخى منها، كفيلة بتحقيق الأهداف الدستورية التي منها تستمد أصلا مبرر وجودها، ولا تتجاوز في ذلك حدود الضرورة… (قراره رقم 817-2011 الصادر في 15 من ذي القعدة 1432).

وإذا كان الاعتماد على منطوق النص الدستوري يعد من البديهيات، فهو المنطلق وهو القاعدة المرجعية التي يقاس على أساسها مدى الالتزام بالمجال المحدد، إلا أن القاضي الدستوري يلجأ إلى تفسير واسع ليشمل قواعد أخرى. وفيما يلي نموذج عن بعض قراءات المجلس الدستوري (المحكمة الدستورية)، التي أسست لضرورة الأخذ بروح الدستور.

بتاريخ 22 غشت 2013، أكد المجلس الدستوري في قراره رقم 924 على أن ”… توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة يعد غاية دستورية… الأمر الذي يستدعي أن تتمتع المؤسسات والهيئات الواردة في الدستور باستقلال يسمح لها بالنهوض بالمهام والصلاحيات التي حددها لها الدستور نفسه…”، وفي قراره رقم 937 بتاريخ 29 مايو 2014، اعتبر أن ”…. مراقبة دستورية القوانين، شكلا وجوهرا، تستلزم استحضار المقاصد التي ابتغاها الدستور…”، وفي قراره رقم 943 بتاريخ 25 يوليوز 2014 حين جعل أن ”… تحقيق الأهداف الواردة في الدستور يجب أن يتم دون الإخلال بالمبادئ الدستورية…”.

في نفس السياق، ومن أجل تيسسير المشاركة الفعلية في الحياة السياسية لفئات واسعة من المجتمع، نذكر بالمادة الأولى والمواد 5 و23 و85 من القانون التنظيمي 11-27 المتعلق بمجلس النواب، حيث تم إحداث دائرة انتخابية وطنية على صعيد تراب المملكة ينتخب في نطاقها 90 عضوا من الأعضاء الـ 395 الذين يتألف منهم مجلس النواب. وتعليقا على هذه الإجراءات، ومن منطلق روح الدستور، اعتبر المجلس الدستوري في قراره رقم 817-2011 الصادر في (13 أكتوبر 2011)، أن ”… إحداث دائرة انتخابية وطنية يروم تحقيق أهداف خاصة مكملة لتلك التي ترمي إليها الدوائر المحلية تتمثل في النهوض بتمثيلية متوازنة للمواطنات والمواطنين…”، وفي نفس قراره أضاف القاضي الدستوري أن تخويل النساء وضعا خاصا، حيث خصص لهن المشرع 60 مقعدا ضمن الوطنية دون إخضاعهن لحد السن بواسطة الدائرة الانتخابية الوطنية، يهدف بالأساس إلى ”… تمتيع المترشحات الإناث بأحكام خاصة من شأنها تحقيق غاية دستورية…”، وبالتالي ”… إدراك هدف آخر مقرر بدوره في الدستور…” في إشارة منه للفصل 19 الذي ينص على مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، باعتباره هدفا تسعى الدولة إلى بلوغه (قرار المجلس الدستوري رقم 821 بتاريخ نونبر 2011).

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz