الرئيسية » عين حرة »

لا إكراه في الحب

يروجون، وربما يكونون هذه المرة على حق، أن الزواج بالإكراه محكوم عليه بالفشل، ذلك لأن استمرار العشرة يفترض حصول وسريان التآلف والمودة. وهذه العواطف، كما هو معلوم، تخرج عن نطاق السيطرة حتى من طرف صاحبها الذي يحتويها بين جنبيه. وإذن لا حب بالإكراه، ولا إكراه في الحب. وهذا الحكم هو عام سواء بين البشر بشكل فردي، أو بين أي فرد منهم وأي كائن جماعي تنظيمي معنوي مؤسساتي، جمعية كان أو حزبا أو حتى دولة، وأيضا بين كيانا من هذه الكيانات المذكورة وغيرها من مثيلاتها. غير أنه هناك تصرفات تجعل الأنام يتخذون موقفا من صاحبها تتناسب مع قيمتها السلبية أو الإيجابية، فتجعل صاحبها يحصد الاحتقار أو الكراهية أو اللامبالاة أو الاستحسان أو الاحترام أو المحبة أو التبجيل.. حسب هذه السلوكات..

وإذا خرجنا عن نطاق العلاقات العاطفية الفردية الضيقة المتبادرة إلى الذهن مبدئيا، فإنا نجد المؤسسة الأقرب إلى منافسة الأفراد في عواطفهم المتبادلة هي تلك المسماة: الدولة. وللناس مواقف مختلفة حد التعارض من هذه الأخيرة منذ القدم، سواء تعلق الأمر بموقف أفراد نفس المجتمع من نفس الكيان المؤسساتي، داخليا أو خارجيا، أو تعلق الأمر بموقف أفراد نفس المجتمع تجاه كيانات مختلفة، أو تعلق الأمر بموقف أفراد مجتمعات مختلفة تجاه كيانات مختلفة. فسكان دولة ما قد يحبون، كلهم أو بعضهم، دولتهم أو دولة أخرى، وقد لا يحبونها، وقد يكرهونها، وسكان دول مختلفة قد يجتمعون على حب دولة معينة، وقد لا يحبونها، وقد يكرهونها.. والسؤال إنما يتركز حول نسبة هذا البعض من الكل في كل تلك الحالات السابقة، وقوة هذه العاطفة(سلبا أو إيجابا)، وسبب ذلك، والسبيل إلى تغييره.

إن قول القائل:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم                             فلطالما استعبد الإنسان إحسان

لم يكن أبدا مجانبا للصواب، وإنما هو الصواب عينه. بل يمكن أن نتوسع فنقول: أحسن إلى الخلائق تستعبد قلوبهم: الإنسان والحيوان.

إن تفاني مواطني الدول المحترمة في محبة بلدانها، والافتخار بالانتماء إليها وحمل راياتها وشعاراتها والتباهي بجوازات سفرها… لم يأت أبدا من فراغ، وإنما أتى ذلك من الإحساس بالكرامة في الداخل والعزة في الخارج: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مكفولة داخليا، وحقوق الدفاع مضمونة خارجيا. من قبل الولادة الحق في العيش الكريم من مسكن ومأكل ومشرب وتعليم وتطبيب وعمل وخدمات وسيارة… حتى إذا غاصت بهم ناقة في وحل في زنجبار، تأتي فرقة خاصة للتدخل السريع متكاملة قصد الإنقاذ والعلاج والترحيل!

لماذا إذن يتبرأ مواطنو دولنا من دولهم ويستعرون منها(إن في الداخل أو في الخارج)؟ فتراهم يخفون كل ما يمكن أن يدل على انتمائهم الجغرافي أو هويتهم وكأنه جريرة أو تهمة.

نعم صحيح أن حب الأوطان من الإيمان، ولكن الأوطان وليس الضيعات! والولاء لهذه الضيعات(الضائعة) الواسعة، أو بالأحرى لأربابها، لن يُفرض أبدا بإلزامية ترديد النشيد الوطني(الذي لا تحفظه إلا الفرق النحاسية)، صحبة الشريط المسجل، صباحا في المؤسسات التعليمية، ولا بترديد الشعارات الجوفاء التي لا يدرك معانيها حتى مرددوها.

إن الأمر أكثر بساطة واختزالا: هل تحبني كي أحبك؟ وإذا كان الجواب إيجابا فماذا قدمت لي بين الأمم كعربون محبة؟

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz