الرئيسية » عين حرة »

لكي يكون الاستقرار وسيلة للاستمرار

من بين وزارات الحكومة الجديدة يبدو أن وزارة التربية الوطنية هي الأكثر إشغالا للرأي العام المغربي.

والسبب في تفوق هذه الوزارة على باقي الوزارات الأخرى في حيويتها يعود إلى كون السيد محمد الوفا لم ينهج سياسة اللف والدوران والهروب إلى الأمام، وغيرها من السلوكات التي انتهجها أسلافه غير الميامين في تدبيرهم للشأن التربوي حتى أوصلوا التعليم بالمغرب إلى مرحلة الهلوسة، ففقد كل قدرة على التركيز ولم يعد يدري في أي اتجاه يسير…

وصل التعليم في المغرب إلى حدود عهد السيد أحمد اخشيشن ليس إلى ضرورة الوقوف عنده وقفة تأمل، بل إلى حدود الهدم التام للأسس الفلسفية والمنهجية التي قام عليها بسب احتكام سياسته إلى المزاجية والعشوائية والارتجالية، رغم ما كان يلف هذه السياسة من مظاهر ادعاء الحداثة والعلمية، فباءت كل المشاريع التي تم اقتراحها لإصلاح المنظومة التربوية بالفشل والانهيار التام.

وبالعودة إلى الماضي القريب، وبشيء قليل من التركيز سنكتشف أن المهمة الأساسية من التربية والتعليم في بلادنا لم تنجز خلال الستين سنة الماضية، بل إن ما أنجز على أرض الواقع يدل على أن التربية والتعليم كانا في واد والمغرب بحمولته الحضارية والثقافية كان في واد آخر…

ولعل الصورة الأكثر بروزا، والتي تكفي وحدها لإدانة المنظومة التربوية المغربية، هي هذا الانفصال الذي حققته بين الإنسان المغربي وجوهره، أي انفصاله عن منظومة القيم التي نسجت شخصية الإنسان المغربي عبر التاريخ. وكانت مضامين كثير من الشعارات التي رفعت أثناء بعض المظاهرات والمسيرات في الشوارع المغربية خلال السنة الماضية لافتة إلى عمق الهوة التي باتت تفصل بين المتعلم المغربي وبين ما هو واجب أن تكون هذه المنظومة قد لقنته إياه.. فإذا كان الإعلام يشير إلى أن مضامين هذه الشعارات هي مطالب سياسية أو اجتماعية، فإننا كتربويين نقرأ هذه الشعارات على أنها تمرد المتعلم المغربي ضد قيمه التي فشلت المنظومة التربوية في تشبيعه بها وجعلها مرجعية لكل سلوك يصدر عنه.

كل هذا يدعونا الآن إلى التفكير جديا في ما يسميه السيد محمد الوفا باستقرار المنظومة التربوية… لا أدري على وجه الدقة ما هو مفهوم السيد الوزير للاستقرار في مجال التربية، ولا أدري إن كانت القرارات التي اتخذها إلى حد الآن تدخل ضمن استراتيجيته لتحقيق هذا المفهوم، مع أنني ألاحظ أن القرارات التي اتخذها يمكن أن تكون موضوع خلاف مستقبلي بينه وبين من سيخلفه، وهي على كل حال تدابير قابلة للطعن والإلغاء في أي لحظة يغادر فيها السيد الوزير منصبه إذا ما ارتأى الوزير الجديد الذي سيخلفه ضرورة إيديولوجية لذلك.

عندما أقول يجب علينا أن نفكر جديا في استقرار المنظومة التربوية، فالمقصود ليس القيام بإجراءات إدارية أو تقنية أو عمليات جراحية هنا أو هناك في جسد المنظومة التربوية، من قبيل إلغاء طرق بيداغوجية واستبدالها بأخرى، إلى غير ذلك من التدابير التي اتخذها السيد محمد الوفا، وهي قرارات ذات قيمة تاريخية على كل حال، بل يجب الاعتكاف على صياغة فلسفية تربوية جديدة توفر لها كامل ضمانات الاستمرارية حتى في حالة تغير الوزراء، وتمكينها من الآليات المنهجية، ما يمكنها أيضا من ضمان استمرارية القيم المغربية في لاشعور الإنسان المغربي أيا كانت التحولات السياسية الداخلية أو الخارجية، والتي لا تظهر قوة التربية وفعاليتها وجدواها إلا حين تمكنها من تحدي هذه التحولات، وتحصين الذات من مد مخالبها إلى الجوهر الذي يشكل روح الشعوب وبقاءها واستمرارها.

هذا هو الموضوع الأكثر إلحاحا في الوقت الراهن، وهو السؤال الوجودي الأعظم الذي يجب أن يتدبره السيد محمد الوفا ليضع قطار الاستقرار على سكته. وكم نحن فعلا في أمس الحاجة إلى هذا الاستقرار…

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz