ISTA Ouazzane

الرئيسية » عين حرة »

محاولة سرد من الواقع: العبادة العادة

يلبس عباءة بيضاء وبلغة وهو منتش بعد إفطار هذا اليوم الحار، تبدو عليه علامة الارتياح، أساريره تشع بالإيمان عن بعد. رأيته يسرع في النزول من سيارته التي أوقفها وسط الطريق ومن دون أي إشارة ضوئية ولا زال محركها يهدر وبابها مفتوح، لعله مستعجل. يبدو أن صاحبها يحمل كيسا بلاستيكيا في يديه. يسرع الخطوات بعد أن ترجل من سيارته البيضاء الجديدة. كان صوت أذان العشاء يملأ السماء وأوشك على النهاية. الشارع خال من المارة فلازال الناس في بيوتهم. أسرعت بدوري لألبي نداء السماء، استوقفني مشهد سيارة وسط الطريق وصاحبها يعود بعد وضعه كيس قمامته على بعد خطوات من قارعة الطريق. جنب جذع شجرة استنكرت عليه سلوكه في صمت، واستفزتها رائحته النتنة.

خرجت مسرعا بدوري وبأعلى صوتي:

  • أخي الكريم حاوية القمامة على مقربة منك.
  • نعم رأيتها ولكن لا بأس لا يهم.

ضحكت بسخرية وتهكم قائلا:

  • إذا لم تضعها في مكانها سأضعها أنا ومن دون حرج.

أحس صاحب العباءة البيضاء بحرج شديد، فقد لسعته تلك الكلمات.

فما كان عليه إلا أن انحنى على ذلك الركام الصغير وحمله لمكانه الطبيعي فاحتضنته الحاوية مستقبلة له، وتنفست الشجرة الصعداء، بعد ان غمغمت بكلمات أرسلتها الرياح، ووفر على عامل النظافة المقهور انحناء ظهره وجمع كل ما ينثره الناس هنا وهناك.

عاد صاحب السيارة وأنا أرقبه، فحياني تحية مجاملة وكأنه اعتذار مبطن منه، فأجبته بضوء مصابح سيارتي التي شهدت معي الحادث.

عدت لنفسي وكأني أناجيها، ترى الرجل ذاهبا إلى المسجد ليغترف بعض ما يجود عليه قيام الليلة بأجر ركيعات مباركة بركة هذا الشهر، ولكن أحرى به أن يعي أن الأجر الحقيقي هو السلوك البسيط غير المكلف والمداومة عليه، إنها العبادة العادة.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz