الرئيسية » عين حرة »

“مختصر رواية “الخيميائي” لباولو كويلو”

يشكل “باولو كويلو” أحد الأعلام الشهيرة في مجال القصة والرواية، ولد الرجل سنة 1947 بالبرازيل. ارتبط في بداية مشواره بالإخراج المسرحي وبالتمثيل، كما خصص ردحا من الزمن في انتقاء كلمات أغاني ذات رسائل إنسانية كونية هادفة شجعت مجموعة الفنانين البرازيليين أمثال: “إليس ريجيننا” و”ريتا لي راؤول سيكساس” لإدماج كلماته المشذبة والمختارة ضمن لوائح أغانيهم.

إذا أردنا الابتعاد قليلا عن تيمة علاقة “كويلو” بالمسرح والتمثيل، وتأليف كلمات أغاني، فإننا سنجد أنفسنا في بوثقة “كويلو والكتابة”، ذلك أن الكتابة تلازم عنده ما يسميه “بالأسطورة الشخصية”، التي تبلور الوعي بها عنده في مقتبل عمره، إنها الحلم الذاتي الذي سعى إلى تحقيقه، فتتبع مسار تحقق رهان الكتابة عنده يدفعنا شئنا أم أبينا إلى الوقوف عند محطة هامة في الإبداع الروائي وهي:”محطة رواية الخيميائي” الشهيرة التي نشرت لأول مرة سنة 1988، وقد ترجمت الرواية إلى أزيد من 67 لغة بما فيها اللغة العربية، ذلك المؤشر الرقمي جعل الرواية تدخل موسوعة”غينيتس للأرقام القياسية”. وتجدر الإشارة عربيا إلى أن “شركة المطبوعات للتوزيع والنشر” اللبنانية اهتمت وتكلفت بترجمة أهم أعمال “كويلو” إلى لغة الضاد، كرواية “الخيميائي” التي نشرت في طبعتين جسدت سنة 2010 دفعة صدور الطبعة الثانية. كما لا يجب أن ننسى الرواية الشهيرة “الشيطان والآنسة بريم” الصادرة عن نفس دار النشر.

علينا أن نسجل أن رويات “كويلو” بوجه عام، ورواية “الخيميائي” منها على وجه الدقة تمتاز بسلاسة الأسلوب، ووضوح الأفكار، وبالشفافية التي تكتنف الأحداث والوقائع لدرجة يجد القارئ نفسه منخرطا في عمق الحدث وفي قلب دهاليز الرواية، ويمكن إرجاع العلة من بين علل ذلك إلى قدرة الكاتب على شخصنة المجرد، وتقريب الفكرة رغم صوريتها في قالب تبسيطي،وتسلسلي وفق بناء استكشافي يجعلك كقارئ تنخرط بانسيابية تامة مع ايقاعات الأحداث وما يصاحبها من أحاسيس: غم وقلق في مقابل فرح وطاقة، ضعف واستسلام في مقابل قوة واندفاعية..الأمر الذي يجعل من المنتوج الأدبي-الفسفي يتمتع بجاذبية مبهمة وساحرة تقوي الحاجة إليه، وتجعل منه جديرا بالمجالسة والمتابعة الفريدة باستثمار الأبعاد: الروحية، والتاريخية، والثقافية، بل والعرقية التي تسلط الرواية أضواء حولها، دون إغفال بديعية اللغة وانسياب الأسلوب الذي يطبع الرواية، ويجعل من الكسل والخمول الذاتي الأسباب المرجعية وراء تفويت فعل القراءة وأثر الاستمتاع بالرواية.

تتمركز أحداث رواية “الخيميائي” حول شخصية “سانتياغو” الشاب الطموح الذي يقضي وقته ذائعا مع أغنامه في غابات إسبانيا، ذات يوم مع اضمحلال النهار وصل مع قطيعه إلى باحة كنيسة قديمة و مهجورة، أدخل كل نعاجه إلى الكنيسة التي هدم الإهمال أجزاؤها، وتمدد مستخدما الكتاب الذي أنهى قراءته وسادة أمام شجرة “جميز” الضخمة الملحقة بجانب مذبح الكنيسة، ذاب في حلاوة النوم ساعات إلى أن استيقظ تحت وقع الحلم الذي راوده مرارا وبات يشوش تفكيره، يدور هذا الحلم الذي راوده مرتين متتاليتين في نومه حول أن “سانتياغو” وجد نفسه مع نعاجه في أحد المراعي وإذا بطفل يظهر يلعب مع نعاجه رغم ان الراعي يكره أن يلعب أحد مع نعاجه، استمر الطفل في لعبه وفجأة أمسك الطفل بيد سنتياغو وقاده إلى أهرامات مصر وقال له الطفل:”إذا جئت هنا سوف تجد كنزا مخبوءا”، في رحلته مع أغنامه سيصل إلى مدينة “طريفا” التي فيها يمكنه استبدال الكتاب الذي بحوزته بكتاب أكثر ضخامة، ويملأ قنينته بالنبيذ، ويحلق ذقنه، ويقص شعره، هنا سيتذكر أن في المنطقة عجوز تعرف تفسير الأحلام، إنها العجوز الغجرية، إلتقى بها وعبرت له عن أن الأحلام هي لغة الرب وأنه يصعب تفيسرها حينما لا يتكلم الرب بلغة العالمين، أخبرها بحلمه ونطق بتأني كلمة الأهرامات، المرأة لا تعرفها، وطلبت وعدا من الشاب بتسليمه إياها عشر كنزه في حالة عثور الشاب عليه، وافق الشاب فكانت نتيجة اللقاء أن أكدت له أنه يتعين عليه الذهاب إلى مكان الأهرامات، فالكنز فيها حقيقة لأن الطفل هو من قاد الشاب في حلمه إليه.

غادر مرتع المرأة العجوز خائبا مصمما على عدم الاعتقاد في الأحلام، تذكر ما ينتظره من مهام في طريفا: شراء المأكل، واستبدال كتاب، والجلوس على مقعد الساحة ليستمتع بتذوق النبيذ الجديد الذي اشتراه، هذا النبيذ الذي يتمتع بأسرار عصية تقاوم حرارة يومه، في مقعد الساحة يلامس أوراق الكتاب الجديد الذي قدمه إليه “كاهن طريفا” وفي مباشرة الصفحة الأولى وجدها تتحدث عن الجنازة المملة، أنتبه بوجود شيخ حل بجانبه دخل معه في أسئلة حول الناس المتواجدون في الساحة، الشاب غير مستعد لفتح نقاش مع أحد، طلب الشيخ من الشاب الكتاب، تفحصه قليلا فقال للشاب:”إنه كتاب مهم ولكنه ممل جدا” كان الشيخ يرتدي زيا غريبا عن الشاب، ومحياه تؤشر أنه عربي، وذلك لم يثير استغراب الشاب لأنه يعلم أن “إفريقية تقع على مسافة ساعات قليلة من طريفا، يكفي لبلوغها اجتياز المضيق بالمركب، وغالبا ما يأتي عرب للتسوق في هذه المدينة”، عرف الشيخ بنفسه إنه:”ملكي صادق” إنه ملك منطقة سالم. الشاب في لحظة توتر تام، طلب من الشيخ كتابه لينصرف، إلا أن الشيخ بدأ ينطق بأسرار تخص “سانتياغو”، اندهش الشاب حينما طلب منه الشيخ هو الآخر عشر القطيع ليساعده على إيجاد كنزه، اعتقد الشاب أن المرأة الغنجرية دبرت له خطة وأن الشيخ هو زوجها، لكن وقبل أن ينطق الشاب بكلمة انحنى الشيخ ليلتقط قشة ليكتب على رمل الساحة، انبهر الشاب لأنه فور انحناء الشيخ ليكتب لمع شيء في صدره بشكل مبهر،وبحركة سريعة لا تلائم سنه جمع الشيخ أطراف معطفه على جسده، فزال الانبهار عن الشاب. على رمل ساحة المدينة قرأ الشاب اسم والده ووالدته، وقرأ مسيرة حياته كاملة إلى تلك اللحظة، استغرب كيف لملك أن يتحدث إلى راع، فكان جواب الشيخ أنه بجانب من يعيش أسطورته الشخصية وهم قلائل، فبدأ يشرح له أمورا تتعلق بحيثيات الأسطورة الشخصية، فطلب الشيخ قبل أن يختفي في إحدى زوايا الساحة من الشاب أن يزوده في اليوم الموالي وفي المكان نفسه بعشر قطيعه مقابل أن يشرح له خطة النجاح للعثور على الكنز المخبوء .

ظل الشاب يحاول القراءة لكنه لم يستطيع، تفكيره مشوش بسبب الشيخ، بدأت الرياح تهب، إنها الرياح التي يعرفها جيدا تدعى الرياح الشرقية التي تأتي معها بالعصابات، لم يكن من قبل يتصور إفريقيا قريبة جدا من طريفا، مع ازياد عصف الرياح كان عليه أن يختار بين شيء تعوده(الأغنام) وآخر يرغب فيه بشغف (الكنز)، مع ظهيرة اليوم الموالي جسد فعليا اختياره، عاد إلى الشيخ ومعه الخراف الستة بعدما اندهش للسهولة التي رافقت بيع باقي الخراف الكثيرة الأخرى، لعلها إشارة طيبة تجاه تحقيق الأسطورة الشخصية.

تأكد من أن الشيخ هو حقا ملك، وأنه قادر على قراءة أفكاره، وأنه متنكر على ذلك النحو لينجو من اللصوص، إنه يلبس تحت معطفه صدرية من الذهب الخالص مرصعة بالأحجار الكريمة، نزع الشيخ درة بيضاء(أوريم)، وأخرى سوداء(توميم)، السوداء تعني “نعم” والبيضاء تعني”لا”، قيمتهما في أنهما تساعدان الشاب على اتخاذ القرار لحظة الحيرة. وجه إليه نصيحة” لا تنس، ليس الكل إلا واحدا، ولا تنس لغة الإشارات، خصوصا الذهاب إلى نهاية أسطورتك الشخصية” مهما كانت الموانع، وأن هاته الأخيرة ما هي إلا إشارات من الكون. وأخبر الشيخ الشاب أن اللقاء ذاته مجرد إشارة من بين الإشارات الأولى الموجهة لتحقيق الشاب لأسطورته الشخصية، فدور الشيخ في اللقاء هو دفع وتمكين الشاب من إتخاذ القرار: قرار التوجه إلى الكنز الموجود في الأهرامات، هذه القدرة كلفت من الراعي ستة أغنام من قطيعه.

بعد بيعه الخراف أصبح في جيبه مبلغا معقولا من المال، وصل إلى طنجة بعد عبوره المضيق، جلس في المقهى مع النادل سينتبه إلى مشكل لم يكن في الحسبان، إنه مشكل اللغة، وقد يعرقل من سرعة الوصول إلى الأهرامات، بينما هو جالس سمع أحدا يسأله بالاسبانية “من أنت؟” شعر بارتياح بعدما طمأنه المغربي أنه يكاد كل الناس يتكلمون الإسبانية مادامت طنجة لا تبعد سوى ساعتين من إسبانيا، أراد “سنتياغو” النبيذ بدل الشاي، لكن رفيقه أخبره “أنه لا يوجد نبيذ في هذه البلاد، لأن الدين يحرمه”، أخبر “سنتياغو” المرافق الجديد بأنه يود الذهاب إلى الأهرامات دون الخوض في تفاصيل السفر خوفا من أن يطلب الافريقي مرافقة سنتياغو إلى مصر مقابل جزء من الكنز، قال الشاب “لسنتياغو” ينبغي اجتياز الصحراء الكبرى بكاملها، ومثل هذا الأمر يتطلب المال الكافي. أخرج “سنتياغو” مبلغه المعقول من جيبه وأراه لمرافقه الجديد، مع رغبتهما في مغادرة المقهى أراد النادل قول شيء لسنتياغو بينما مرافقه امتنع، وتناقشا باللغة التي لا يفهمها الرجل سنتياغو، استفسر هذا الأخير مرافقه فأخبره بان النادل طمع في ماله ويريد سرقته، لأن الميناء مرتع اللصوص، أحس الغريب بالارتياح تجاه مرافقه الذي سيسرق منه المال وينسحب باحترافية في زحمة السوق، وسيعرف من بعد أن اللص هو الذي كان يرافقه وأن النادل يعرف اللص وأراد تخليص سنتياغو منه. لحظة غروب ذلك اليوم بدأ يتأمل كيف يجد المرء نفسه بين شروق الشمس وغروبها غريبا في بلد غريب حيث لا يستطيع فهم حتى اللغة التي يتكلم الناس بها، لم يعد راعيا ولا يملك شيئا حتى المال الضروري ليعود إلى بلاده ويبدأ من جديد، في ظل هذا الوضع تنبعث موجات من الألم والإحباط والعتمة والعدمية .

في يومه الموالي استيقظ، وجد نفسه نائما في وسط ساحة السوق التي ستستأنف عملها، نظر أمامه باحثا عن أغنامه إلا أنه أدرك أنه في عالم آخر، وأنه تخلص من أغنامه وعليه مواجهة الواقع الجديد، راح يتنزه في الساحة وكان التجار بدأوا بنصب أكواخهم، ساعد رجلا يبيع الحلويات في تركيب كوخه، واستمتع بحرفية البائع وبابتسامته العريضة التي تبدو لا تفارقه والتي تنم عن محبته الصادقة لعمله، بعد تركيب الكوخ قدم البائع أول حلوة تم تحضيرها كمقابل لعمل “سنتياغو” قبل أن يتجه للتسكع في دروب وأزقة طنجة.

في مكان رتيب، الحياة تكاد تتوقف فيه، يوجد محل لبيع الأواني البلورية، يستقبل صاحبها نهاره ببرودة بعلة الأرباح المخجلة التي يجود بها المحل. في واجهة المحل الخارجية تعرض المنتوجات البلورية المتسخة. فوق المحل كتبت عبارة: “مرحبا بكم نتكلم جميع اللغات”، اقترب” سنتياغو” عرض على التاجر أن يشتغل معه في مسح الأواني مقابل سد رمقه اليومي، بعد تنظيف الآواني البلورية التي تشغل الواجهة، دخل زبونان واشتريا عدة آواني. مع موعد الغذاء قال التاجر “لسنتياغو” أنه حتى ولو لم تمسح الآواني فإن القرآن يأمرني بإطعام اي جائع، فرغم أن التاجر لا يحتاج إلى عامل فإن بيع عدة آواني بعد انتهاء مسحها من قبل “سنتياغو” لعلامة طيبة على عودة الحياة للمحل، طلب سنتياغو استكمال عمله ليومه مقابل أن يزوده التاجر بمال يمكنه من الوصول إلى مصر، بعد ابتسامة التاجر أخبره أن حتى ولو مسح الآواني لمدة سنة كاملة لن يتمكن من جمع المبلغ نظرا لآلاف الكيلومترات عبر الصحراء بين طنجة والأهرامات.

بدأت الحياة تعود إلى المكان بفضل أفكار سنتياغو السديدة والنشيطة، ذلك أنه أدخل تعديلات على العمل بتخصيصه مكانا جديدا خارج المحل يعرض فيه قطع الكريستال التي باتت تجذب المارة، وبدأ الزبائن يتوافدون على المحل وبدأ التاجر يسترجع الثقة في تجارته، ينفتح التاجر مع “سانتياغو” في نقاش مفتوح حول فرائض الإسلام وصعوبة الوصول إلى مكة لتحقيق حلم حياته: فريضة الحج مما جعل شغف الوصول إلى مصر يتناقص بعد توضيحات التاجر..مع مرور الشهرين من الزمن بدأت خزانة العرض تجذب العديد من الزبائن، وقدر الفتى أنه إذا عمل ستة أشهر إضافية فإنه يتمكن من العودة إلى إسبانيا وشراء ضعف قطيعه، لقد أصبح فخورا بنفسه لأنه تعلم الكثير بجانب الاهتمام وبيع الآواني البلورية، وبعد ظهر ذات يوم شهد رجلا في أعلى الشارع الصاعد الذي ينوجد فيه المحل، يشكو أنه بعد كل ذلك الصعود لم يجد مكانا يشرب فيه شيء، ولأن سنتياغو يعرف لغة الإشارات طلب من رب عمله ضرورة تقديم الشاي إلى الناس الذي يصعدون الشارع، وتقديمه في أكواب الكريستال الجميلة والمغرية ما سيجعل من يشرب الشاي يشتري البلور أيضا، لم يتشجع التاجر نظرا للنقلة الثقيلة التي يحدثها الشاب في محله التجاري، لقد سعد بالأرباح التي يحققها لكنه يخشى المغامرة وتغير نمط حياته، لكنه استسلم لاقتراح “سنتياغو”. كان الناس يتسلقون الشارع الصاعد بمشقة، ويلازمهم الإرهاق بوصولهم نهاية الشارع الذي يوجد فيه محل لبيع البلور الجيد والشاي بالنعناع المنعش جدا، يحجه الناس ليستمتعوا بالشاي وهو في أكواب رائعة من الكريستال.. انتشر خبر المحل بسرعة وتهافت الزبائن وسارع التاجر إلى استخدام عمال جدد ومرت ستة أشهر بسرعة. انقضى على وجود سنتياغو بالقارة الجديدة أحد عشر شهرا وتسعة أيام مكنته من جمع المال اللازم الذي به يشد الرحال تجاه تحقيق أسطورته الشخصية، قرر الرحيل وافتتح رب العمل في الموضوع لم يرفض التاجر لأنه موقفه ملخص في عبارة” كل شيء مكتوب لنا بما فيه الفراق”.

“عندما تريد شيئا ما، حقا، فإن الكون بأسره يطاوعك على تحقيق رغبتك” إنها الحكمة الغالية التي وجهها الملك إلى الشاب، عليه أن يتذكرها لأنها تطرد الحيرة واليأس وتزرع في الشاب الأمل والحماس، ذلك أنه بعدما جمع المال من عمله في طنجة بدأت تبرز فكرة الرجوع إلى اسبانيا ووضع نهاية لمخطط الحلم، لكن بمجرد تأمله في حكمة الشيخ سرعان ما تحكم في انفعالاته وقرر من جديد المضي قدما في تحقيق أسطورته الشخصية بالتوجه إلى محطة القوافل التجارية، ليعرف مدى وجود قافلة ستقصد مصر عبر الصحراء. لحسن حظه أن القافلة مصممة الانطلاق بعد ظهر اليوم الذي قصد فيه محطة القوافل، في هذا المكان سيلتقي بالشاب الإنجليزي المهموم بأسطورته، إنه يريد فهم الخيمياء، ومعرفة إكسير الحياة، وحجر الفلاسفة، قيل له أن خيميائيا عربيا يسكن بإحدى واحات الصحراء سيفيده في هذا الباب، وهذا هو سر تواجده بالمحطة ورغبته في السفر، وبصفة أن الإنجليزي أجنبي تماما مثل الإسباني فإن ” سنتياغو” سرر بمرافقه الذي يبحث هو الآخر عن أسطورته الشخصية، خاصة وأن الملك سبق وأن التقى بالانجليزي وأرشده كما أرشد سنتياغو وكل من له أسطورة شخصية في وجوده نحو تحقيقها، هنا بالمحطة سيتعرفان على الرجل ذو اللحية الطويلة وعينين سوداوين الذي قال للجميع قبل الانطلاق “أنا رئيس القافلة، وإلي ترجع حياة وموت كل الذين أقودهم، لأن الصحراء امرأة نزقة تجعل الرجال أحيانا مجانين” فالقافلة تضم قرابة المئتي شخص، وضعف هذا العدد حيوانات من جمال وخيول وبغال..

انطلقت القافلة باتجاه الشرق، القافلة التي تضم أجناس مختلفة، إلا أنها تخضع لقواعد دقيقة جدا: تمعن في السير صباحا وتتوقف عندما يشتد الحر وتستأنف السير مع انخفاض الحرارة، خضوع الجميع لتعليمات القائد، التزام الصمت، أخذ” سنتياغو” أسرار جديدة من مغامرة الصحراء، والخوف من لصوص القوافل وصراعات القبائل..إلخ. في سره يخوض حورا داخليا مع نفسه حول علاقاته بنعاجه القديمة، وعمله في طنجة..ينغمس من جديد في مستجدات أحداث الصحراء ومخاطر القافلة، الرغبة الجديدة في تعلم أسرار الخيمياء، التوقف في الواحات، تم اللقاء مع جميلة الصحراء فاطمة التي أعجب بها وشجعته على ضرورة تحقيق أسطورته..مواقف أخرى جديدة: التقى بالخيميائي وعرف لوح الزمرد، وروح العالم، وحجر الفلاسفة..تم القبض عليه هو و الخيميائي الذي قرر أن يرافق” سينتياغو” ويعلمه أسرار الخيمياء، ألصقت لهما تهمة التجسس على القبيلة لا سيما أن الحدث تزامن مع تطاحن القبائل فيما بينها، تم اقتياد المسافران إلى مخيم عسكري قريب من المكان، في الخيمة كان ينتظرهما قائد حربي محاط بهيئة من أركان جيشه، قال أحد الجنود للقائد إنهما الجاسوسان، “لسنا سوى مسافرين” ذلك هو رد الخيميائي، بعد أن قدم سنتياغو نفسه ومرافقه الخيميائي، استفسر القائد العربي عن من هو الخيميائي؟ أجاب الخيميائي:”إنه رجل يعرف الطبيعة والعالم، ويقدر إن أراد أن يدمر هذا المعسكر باستخدامه قوة الرياح” ضحك الحاضرون بسخرية، وطلب القائد مقابل سراحهما برهانا ماديا عن قولهما، وقال الخيميائي أنه يحتاج ثلاثة أيام ليتحول” سنتياغو” إلى ريح عاتية قوية، وافق القائد على المدة، بشرط أن الفشل يعني تقديم روحيهما تشريفا للقبيلة.. بتوجيه من الخيميائي وتشجيعه وخوفا من الموت المنتظر استطاع “سنتياغو” أن يتحدث إلى الريح ويطلب مساعدتها من فوق الصخرة أمام القائد، والجيوش، ورجال القبيلة. لحسن حظه نجح “سنتياغو” وأبهرا القائد والحضور، شجعهما القائد، وأمر بعض الجند مرافقتهما في الصحراء وتوفير لهما الأمن والحماية.

لم يبق سوى ساعتين لمصر، سيقضيها وحده، عليه أن ينصت إلى قلبه ليصل إلى أسطورته، ألم يقل له الخيميائي:”حيث يكون كنزك، يكون قلبك”.

وصل إلى كنزه، ظل يحفر الليل بطوله دون أن يجد شيئا، أصيبت يداه وجرحتا، لكنه لم يشكك في قلبه الذي حثه على الحفر، وبينما هو يرفع الحجارة التي أزاح الرمال عنها، سمع “سنتياغو” البطل وقع أقدام، وصل عنده رجال لم يتمكن من مشاهدة وجوههم وعيونهم. “ماذا تفعل هنا؟” ذلك هو سؤال أحد الرجال، تمالك “سنتياغو” الخوف الشديد لأنه في الصحراء يبحث عن الكنز، أمسك أحد الرجال بذراعه وجره خارج الحفرة وبدا آخر بتفتيشه فعثر على قطعة ذهب كانت بحوزته، فاعتقد الرجال أنه يخبئ الكنز فأرغموه على متابعة الحفر، ولما لم يجد شيئا انهالوا عليه بالضرب وبقوة لدرجة أحس فيها بالموت يقترب منه، قرروا تركه وقبل أن يرحلوا قال الزعيم “لسنتياغو” كلاما مفيدا شكل نقطة تحول أخرى في حياة “سنتياغو”:

“لن تموت، ستعيش وتتعلم أنه لا ينبغي لنا أن نكون على هذه الدرجة من الغباء، هنا بالضبظ حيث تقبع أنت، رأيت حلما قبل سنتين تقريبا، راودني غير مرة، فقد حلمت أن علي أن أسافر إلى إسبانيا وأبحث في الريف عن أطلال كنيسة يتردد إليها الرعيان ليناموا فيها مع أغنامهم، وحلت فيها شجرة جميز محل الغرفة الملحقة بالمذبح، حتى إذا حفرت عند جذع الشجرة أجد كنزا مخبأ، ولكنني لست على هذه الدرجة من الغباء لكي أجتاز الصحراء بكاملها، لمجرد أنني رأيت الحلم مرتين”. انصرف الرجل واقتنع “سنتياغو” أنه وجد الكنز، إنه يوجد بنفس المكان الذي كان ينام فيه مع قطيعه.

إن الحياة في الواقع سخية مع من يعيش أسطورته الشخصية، عاد “سنتياغو” إلى إسبانيا، وصل إلى الكنيسة التي له معها ذكريات حفر في المكان الذي حدده الرجل العربي في الأهرامات، “بعد نصف ساعة من الحفر اصطدم الرفش بشيء صلب، وبعد ساعة وجد أمامه صندوقا مليئا بقطع الذهب الإسبانية القديمة، وبأحجار كريمة وأقنعة من الذهب مزينة بريش أبيض وأحمر، وتماثيل حجرية مرصعة بالماس”..

بعد تلك الرحلة الطويلة يحقق “سنتياغو” أسطورته الشخصية، لقد حقق حلمه بعد مشقة وأصبح يملك ذهبا خالصا، وجعبته مليئة بالأسرار والتجارب والحكم، لذا علينا أن نقاوم وأن نستمع إلى قلبنا وأن نحدد أسطورة في حياتنا، نسير إلى الأمام في تحقيقها لنضفي بذلك المعنى على حياتنا وعيشنا..

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz