الرئيسية » عين حرة »

معادلة العصر: الإنسان يساوي الأزبال!

أقيمت الدنيا ولم تقعد لساعات مهمة، بعدما تناولت محطات إعلامية خبر إلقاء القبض من طرف شرطة فرنسا على سعد المجرد، بتهمة اغتصاب وتعنيف مواطنة فرنسية يحبها وطنها كثيرا ولا يفضل عليها أشهر شخص في دول العرب، إيمانا بالمساواة وسيادة القانون على أرض التاريخ والنهضة، والحداثة والأنوار، والفن الملتزم والإنسان المسؤول. الملاحظ في هذا الخبر أنه نقصت حدة التفاعل معه، اللهم في قنوات مغربية رسمية تعشق القديم والاجترار..

وسبب انخفاض الاهتمام الشعبي بقضية المجرد مغربيا، ما عرفته مدينة الحسيمة من احتجاجات ساخنة، وغليان شعبي طافح يصعب فرملته، ومصدر الغضب هو موت الشاب محسن فكري بطريقة بشعة وسط أزبال بشاحنة، وهي تلمه وتطحنه لتحوله إلى عجين جلدي، طاحنة معه أحلامه وطموحه، وسط عشرات الشهود وأمام رجال الأمن، وربما بسببهم حسب الرواية الأكثر رواجا. الكل يتعاطف مع محسن ويرون فيه صورة الإنسان المغربي المقهور، الذي استطاع ترك رسالة واضحة دون تنميق كما هو الحال في برامج التلفاز.

إن واقعة محسن فكري، ستسجل كورقة من التاريخ الأسود المغربي، لأنه درس يختزل حصيلة احترام حقوق الإنسان، وأكذوبة السهر على ضمان عيشه بكرامة، لأنه لم يطالب الدولة أن تعطيه، وأنه هو غالبا يعطي للدولة، لكن الوطن لم يكن أمينا به، إنه الاغتراب الذي لا يحل إلا بالموت. والخطير ورمزيا فقط يفهم من صورة الحادث، كيف أن يكون إنسان في القرن الواحد والعشرين يموت في وسط أزبال! كأن الصورة تقول لنا: إننا مثل الأزبال، لم نرق بعد، إننا في أسفل السلم..

إن المغربي يعاني من ضعف تطبيق القانون، ومن تجاوزه من طرف رجاله، الذين يدعون الحرص على تطبيقه والسير وفقه. وهذا واضح في التعنيف الذي يطال الحركات والتجمعات الاحتجاجية والنضالية المختلفة، وبطرق وحشية في الغرب غير مسموح بها حتى مع الديناصورات إن حدث وعادت يوما للوجود. لأنهم اليوم ينتقلون من تحصين حقوق الإنسان إلى تحصين حقوق الحيوان والطبيعة، بينما عندنا لا طبيعة ولا حيوان، ولا إنسان في بعده الكوني.

والدفاع عن الفتاة الفرنسية باستماتة إعلاميا وواقعيا، على إثر اتهامها سعد المجرد باغتصابها، يبين حقيقة أهمية المساوة وحقوق الإنسان المتجدرة في الأفراد والجماعات، وغلاء المواطن ككنز نفيس، وأن شرفه هو لا يتجزأ عن شرف الوطن، عكسنا للأسف تماما، لذلك وبكل حزن من جديد، لا يسعنا إلا أن نقول: وداعا بطل الريف! سيظل الخلود من نصيبك في ذاكرة الشعب والوجدان، وشكرا لك لأنك بينت بوضوح مدى غلاء الإنسان لدى الوطن!!!

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz