الرئيسية » عين حرة »

من الناحية الدستورية: بلاغ الديوان الملكي لم يلامس الصواب بمنطق وحدة النص الدستوري

ما نصبو إليه من طرحنا مختلف هذه الاهتمامات في الصناعة الدستورية، هو إعطاء نموذج تحليلي لإشكالية القراءة الدستورية التي تقتصر إلى حد كبير، على تفكيك حد النص المكتوب، دون مراعاة المبادئ الكبرى لقراءة وفهم الدستور: على رأس هذه المبادئ نجد مبدأ “وحدة النص الدستوري”.

ويقصد بوحدة النص الدستوري أن الدستور متكامل في مبادئه وأهدافه، وهو ما يمكن التعبير عنه أيضا بمبدأ تكاملية الفصول، حيث تتمتع جميع فصوله (180 فصلا بالإضافة إلى التصدير)، بنفس القوة الدستورية. وهو ما أكد عليه المجلس الدستوري على الأقل في قراره رقم 817-2011. بمعنى، أنه لا يجب أن يقرأ ويفسر أي فصل من الدستور بمعزل عن فصوله الأخرى، بل يجب اعتمادها كوحدة واحدة تتكامل فيما بينها بما لا يبعث على التعارض الذي لا يعتبر من المبادئ التي يبتغيها الدستور كأعلى قاعدة قانونية…

وفيما يلي نموذج عن بعض إشكالات القراءة الدستورية غير الموفقة، في رأيي، والتي افتقرت إلى القراءة السليمة لوحدة النص الدستوري:

في إعادة فهم الفقرة الأولى من الفصل 47:

“يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها”. إن الذي يفهم من هذه الفقرة أن الأمر يخص المرحلة الأولى من بعد صدور نتائج الانتخابات بدليل أن الفقرة ربطت المسالة بـ “على أساس نتائجها”. وبالتالي، لو أن رئيس الدولة، مثلا، عين شخصا آخر، من حزب العدالة والتنمية، في بداية الأمر لكان الأمر عاديا ويلامس صواب قراءة هذه الفقرة الدستورية، لكن الأمر يختلف هذه المرة، فالإشكالية تخص “تعذر تشكيل الحكومة” والذي يتحمل المسؤولية فيها مختلف الأطراف المشاركة في اللعبة. وبالتالي، وبمنطق “مبدأ وحدة النص الدستوري”، يجب استحضار كل النصوص الدستورية التي تعالج مسألة “تعذر تشكيل الحكومة” قبل اللجوء إلى الفصل 42.

في إعادة فهم الفصل 42: الوظيفة التحكيمية

“الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة، واستمراريتها والحكم الأسمى بين مؤسساتها… وصيانة الاختيار الديمقراطي…”. إن القول بهذه الفقرة والاعتماد على مسألة “الوظيفة التحكيمية للملك” في هذه المسألة، في رأيي لا يلامس الصواب. فهذا المقتضى، منطقيا، يخص المهام السيادية الكبرى والتحكيمية التي يمارسها الملك بوصفه رئيسا للدولة. وهذه الوظيفة ترتبط في جوهرها وأساسها بعمل المؤسسات الدستورية للدولة. لذلك لا علاقة للخلاف المفتعل والقائم بين الأحزاب السياسية (أو بالأحرى بين الأشخاص) في تشكيل الأغلبية البرلمانية، ولا يمكن أن يكيف بوصفه نزاعا مؤسساتيا وهو ما يجعله، بالتالي، لا يصح لأن يكون موضوعا للتحكيم الملكي.

لماذا لم يتم اللجوء إلى مراجعة الفصل 98 الذي يجيب بصريح العبارة عن إشكالية تعذر تشكيل الأغلبية الحكومية، وهو الأمر الذي يجر معه الفصول 51، 96، 97.

تنص الققرة الثانية من الفصل 98 بصريح العبارة على أنه يمكن حل مجلس النواب في حالة “في حالة تعذر توفر أغلبية حكومية داخل مجلس النواب الجديد…”، هذا الأمر يعني أن الدستور يعطي أهمية بالغة إلى مسألة الأغلبية الحكومية الأمر الذي يجعل معه استحالة الحفاظ على مجلس النواب في حالة تعذر تشكيل الحكومة. وبالتالي فإن الأخذ بهذا الاختيار سيطرح معه أيضا إعادة قراءة الفصول التالية: 51، 96، 97، الخاصة بمسطرة حل البرلمان.

لم يتم الأخذ أيضا بمسألة “إخبار رئيس الحكومة” بفشله في المهمة: الفصل 96.

البلاغ تم دون لقاء مع رئيس الحكومة المعين سابقا، بل السليم دستوريا، بمنطق الفصل 96، أن يتم اللقاء ويخبر رئيس الحكومة فشله، ليتم الانتقال إلى مسطرة حل البرلمان بمنطق الفصل 98.

بنفس المنطق الذي استعمله البلاغ الملكي: لماذا لم يتم استبعاد أخنوش عن المسألة، وذلك احترام لكون “الملك هو الساهر على صيانة الاختيار الديمقراطي”.

لماذا لم يتم استعمال هذه الفقرة الأولى من الفصل 42، في شخص السيد أخنوش- … فبمنطق هذه الفقرة “الملك… يعمل على صيانة الاختيار الديمقراطي…”، والسيد أخنوش غير ممثل ديمقراطيا، ويفتقد إلى الشرعية الديمقراطية، فلماذا لم يتم استبعاده بمنطق الفقرة الدستورية، بل هذا الأمر يضرب بقوة في الدستور نفسه.

وأختم بالتذكير بقاعدة ذهبية دستورية الأصل فيها أنه “لا الممارسة الدستورية ولا العرف الدستوري” يسمو فوق النص الدستوري الصريح والملزم.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz