الرئيسية » عين حرة »

موقع المواطن من ظاهرة الترحال السياسي

دفاعا عن كرامة المواطن أكتب، وترسيخا لرمزية الالتزام السياسي أكتب، ومن أجل استرجاع قيمة المواطن في العملية السياسية والتشديد على تخليق الحياة السياسية الحقيقية أكتب، وللرفع من قيمة الانتماء السياسي الرسمي والواقعي أكتب، ولإعادة قراءة مفهوم الترحال السياسي وللتأكيد على الفهم والتنزيل السليم لمقتضيات الفصل 61 من الدستور الجديد أكتب.

عندما نسمع اليوم بالانتقالات الصيفية والحامية من أحزاب لأخرى، والتي كان آخرها ارتحال ”السلواني ومرتزقته” من البيجيدي إلى البام، انتقال أقل ما يمكن أن يقال عليه، أنه انتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، هكذا، مرة واحدة ومن دون أي مقدمات، وضمن هذا المشهد السياسي المتأزم، وأمام هذا الخطاب السياسي الهابط والمائع، من الطبيعي أن يخرج المواطن المغربي عن صمته ويطرح السؤال الصعب والخطير: من أنا؟ وما موقعي داخل هذه اللعبة السياسية؟

صحيح أن تغيير اللون السياسي، عن طواعية وبمحض الإرادة الخاصة للمعني بالأمر، هو حق لكل شخص بمنطق حرية الرأي والاختيار، وحق الانتماء والالتزام السياسي، إلا أن التساؤل الحقيقي يكمن وراء الغاية والوجهة من جراء هذه العملية بهذا الشكل غير المفهوم، أو بمعنى آخر مصداقيتها لدى المواطن المغربي. صحيح، قد يقبل الواحد منا انتقال أو تغيير للأماكن ما بين أحزاب تتقاسم جزءا كبيرا في مرجعيتها وفي أدبيات اشتغالها، لكن الأمر يصير مشكوكا في شرعيته، السياسية وليس القانونية، عندما يتم بهذا الشكل الهابط والمائع.

من الناحية الدستورية، منح دستور 2011 للمحكمة الدستورية اختصاصا جديدا يتمثل في البت في إشكالية تخلي أحد أعضاء البرلمان عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات التشريعية، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها. إذ يتم خلع صفة نائب بمجلس النواب أو مستشاري بمجلس المستشارين عن العضو المعني، وفقا لما نصت عليه المادة 61 من الدستور. وهو الأمر الذي يطبق أيضا في إطار مجالس الجماعات الترابية والغرف المهنية، حيث نجد أن المحكمة الدستورية، باعتمادها على تقنية القياس، قضت في قرار لها (818-2011) بنفس المبدأ. وهو نفس المنطق الذي نجده في المادة 20 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية التي تنص على منع الترحال السياسي والعقاب عليه ”بالتجريد بعضويته في المجالس أو الغرف المذكورة”.

اليوم، وبعد تمييع مسألة تغيير اللون السياسي، تطرح بشدة إشكالية إعادة قراءة مفهوم الترحال السياسي ومدى محدوديته. فما الفرق بين ترحال قبيل الحملة الانتخابية بقليل؟ وبين انتقال بعد الانتخابات؟ إن الفهم السليم للمسألة لا يقتصر على العامل الزمني فقط، بمعنى جواز إعطاء المشروعية لتغيير اللون السياسي قبل الانتخابات، وإنما الغاية والمقصد الدستوري يرتبط بالأساس بمحاولة عقلنة وضبط وتخليق المشهد السياسي المغربي ككل، بغية إرجاع مسألة القضية والفكر والانتماء والالتزام السياسي إلى نصابه، فتجد الواحد منا إما علمانيا، أو إسلاميا أو يساريا… كل على شاكلته وكل يؤمن بقضيته، وبالتالي يتضح للمواطن المشهد السياسي الحقيقي، ويكون الحكم لصناديق الاقتراع.

اليوم، عندما يقوم هؤلاء السياسيون بالبيع والشراء في مسألة القضية والفكر والانتماء والالتزام السياسي مع المواطن، إنما يوقعون عن فقدانهم الوجهة والغاية، بل ومنهم من فقد عقله وفقد صلته بالواقع تماما. هل بهذا الشكل سيتم إقناع المواطن المغربي غدا، كيف لهؤلاء، الذين غيروا جلدتهم ليلة الحملة الانتخابية، وبكل وقاحة، سيدخلون المعركة، وبأي وجه سيلاقون المواطن؟ ألا يعتبر الأمر مسا صريحا في كرامة المواطن وضربا في شخصيته وقيمته؟

ألا يتذكر هؤلاء السياسيون يوم خرج الشعب أيام الحراك العربي، واليوم أيضا، عبر الفايسبوك، ليعرف بنفسه كتحرك خارج الدستور وكإطار قانوني وكسقف سياسي جديد، وبالتالي كمعبر حقيقي عن مبدأ السيادة الشعبية في صناعة للنظام السياسي. الأمر الذي يفرض معه احترامه وتقديره والاشتغال عليه أولا وآخرا. هل بهذا الشكل يجيبون خطاب رئيس الدولة المغربية، بتأكيدهم للنزعة الوصولية، والوصول للسلطة بأية وسيلة وفي أي وقت، وبأي ثمن؟

للأسف، ما لم يفهمه هؤلاء، أن للمادة الدستورية روح وغاية ومقصد. ما لم يفهمه هؤلاء أن العملية الانتخابية، في جوهرها، تشكل تعاقدا ضمنيا مع المواطن. ما لم يفهمه هؤلاء أن المقصد الدستوري من وراء القضاء على ظاهرة الترحال السياسي يهدف بالأساس إلى ترسيخ مجموعة من الأهداف والمبادئ السياسية على رأسها: ترسيخ رمزية الالتزام السياسي، استرجاع قيمة المواطن في العملية السياسية، التشديد على تخليق الحياة السياسية، وبالتالي الرفع من قيمة الانتماء السياسي رسميا كان أو واقعيا.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

دراستكم للانتقال السياسي الذي عرفته الساحة السياسية كانت متميزة و أعجبتني فكرة كيف سيلاقون هؤلاء المواطن الذي كان بالأمس القريب يرتاح لتوجههم السياسي و لانتماءهم لحزب يثق فيه جم غفير من أبناء الشعب…لكن الفكرة هو أن هؤلاء رحلوا و تم طردهم لأنهم خرجوا عن المعايير التي يحددها القانون الداخلي للحزب…هؤلاء هم الوصوليين حقا لأن مبادئهم لا تتلاءم و مبادئ الحزب…و بهذا التحول او الانتقال إنما وجدوا ضالتهم في الجهة التي توجهوا إليها. ..الانتهازيين هدفهم الاغتناء على حساب الوعود التي قطعوها على أنفسهم ولا يمكننا إم نقول إلا ات شنا وافق طبقة

‫wpDiscuz