الرئيسية » عين حرة »

نحو تحول مفهوم القانون الدستوري

يحيل الدستور “وجود فكرة سياسية لدى أطراف اللعبة تترجم داخل نص قانوني يحدد قواعد اشتغال التنظيم السياسي، فالنص الدستوري هو عبارة عن مجموعة من المساطير والآليات المؤطرة للمنافسة السليمة من أجل ممارسة السلطة”. وأنه بوصفه “القانون الأساسي في الدولة، فإنه يحتل قمة التنظيم القانوني، وتتمركز في نصوصه الأحكام التي تتضمن المقومات الأساسية للمجتمع اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، وتتحدد بموجب نصوصه حقوق الأفراد وحرياتهم، كما تتضمن هذه النصوص القواعد الحاكمة لاختصاصات السلطات العامة المختلفة وعلاقاتها ببعضها البعض وعلاقاتها بالأفراد”.

وإذا كانت المرحلة الكلاسيكية – بخصوص القانون الدستوري-  تأسست على محددات الكتابة كضمانة لاحترام مقتضيات الوثيقة الدستورية، وتنظر إلى الوثيقة الدستورية باعتبارها فقط “بنية فوقية شكلية” تقدم لتبرير سلطة “الأوليغارشية الحاكمة”، فانه مع بداية القرن العشرين ستتآكل هذه المحددات بفعل وجود فجوة بين النص القاعدة وحالات سياسية يصعب على الوثيقة الدستورية تأطيرها. لذلك ستبرز فكرة جديدة تعتبر مضمون النص الدستوري “عقدا مفتوحا للخلق والتشكيل المستمر”، ونصا في طور البناء عبر آلية التأويل الدستوري التي ستجعل الوثيقة الدستورية تنفتح على التطورات التي يعرفها محيط اشتغالها.

وهكذا فان مضمون النص الدستوري انتقل عبر الموجات الدستورية الحديثة من سؤال المؤسسات، حيث هاجس ضمان التعبير عن الإرادة العامة، إلى فكرة تحقيق دولة القانون، وذلك عبر عملية “الإغناء المادي والقانوني للنصوص الدستورية بمرجعية حقوق الإنسان”.

هذه القراءة الجديدة للوثيقة الدستورية أعادت “النظر في هيكل القوة الدستورية والسياسية” وغيرت من طبيعة القانون الدستوري الذي لم يعد فضاء لتأطير إشكالات الدولة والسلطة فقط، بل أيضا وثيقة أساسية لتحديد علاقات الدولة والمجتمع، القائمة على ضمان وحماية الحريات  بعدما أدى تقليديا وظيفة “الكابح لتسلطية السلطة”. ومن جهة أخرى، أسست للانتقال من “الدستور السياسي” إلى “الدستور الاجتماعي” بالتأسيس لمجال عمومي للمواطنة خارج وصاية الدولة.

وبالتالي أصبحت إرادة الضبط بواسطة الدستور تتجاوز لعبة “المؤسسات الدستورية” وتطال “السياسات الحقوقية” التي ستتطور بالتطور الذي عرفته الشرعية الدولية لحقوق الإنسان. وهكذا أصبح الدستور “المتعاقد على مضامينه”، نتاجا لـ”عقد يتم التوافق بموجبه على صك قواعد ممارسة السلطة بين مكونات المجتمع السياسي وبين الدولة والمواطن.

وإعلاء لأحكام الدستور، وحماية لها من الخروج عليها من جانب سلطة التشريع بما تصدره من تشريعات قد تنطوي في بعض الأحيان على تعارض مع القواعد الدستورية، فإن “النظم الدستورية الحديثة تحرص على كفالة نوع من الرقابة على العمل التشريعي الذي تسنه سلطة التشريع، صونا لأحكام الدستور، وتحصينا لها من الاعتداء عليها”. ومن هدا المنطلق تعتبر الدولة العصرية “دولة دستورية أي دولة مقيدة بأحكام الدستور، كما أن جميع التشريعات والقوانين يجب أن تخضع له وتتلاءم مع مقتضياته”.

إن هذا “التحول” “العميق” في بنية النص الدستوري والذي جاء “كنتيجة لحركة دسترة الحقوق والحريات”، ما هو إلا “صورة من التطور الذي طرأ على الفقه الدستوري في هذه المرحلة التي أسست لظهور ما يعرف بالدستورانية الحديثة”.

وفي هذا السياق سارت جميع الدساتير الحديثة في اتجاه تضمين الحقوق والحريات في صلبها، وذلك من خلال أسلوبين: أسلوب مادي أوشكلي وهو الذي يقوم على تضمين هذه الحقوق والحريات داخل الوثيقة الدستورية نفسها، أو من خلال أسلوب معياري: يقوم على إضفاء “قيم دستورية” على مجموعة من المفاهيم المبادئ العامة. وهذا ما يسمى في الفقه الفرنسي بـ”الكتلة الدستورية”.

وكان لتخوف الفقه الدستوري في أن يظل هذا التضمين الدستوري للحقوق والحريات محصورا فقط في الجانب النظري،  دورا بارزا في ولادة مؤسسة الرقابة الدستورية، كضمان حقيقي لنفاد القاعدة الدستورية، وكحصانة فعلية للوثيقة الدستورية من خلال أحكامها بعدم الدستورية. وهكذا ظهر مفهوم “الحقوق المضمونة” (Les droits Garanties) كجزء لا يتجزأ عن مفهوم حقوق الإنسان.

ومن هنا فان الإقرار الدستوري للحريات والحقوق بالنص عليها في صلب الوثيقة الدستورية، يجعل منها تتمتع ليس فقط “بالصفة الدستورية” بل “بالحماية الدستورية”، بحيث إذا اعتدى المشرع على هذه الحقوق والحريات – بأن انتقص منها أو أهدرها من خلال تشريعاته التي يصدرها أو أساء استخدامها – فإن هذه التشريعات تكوون عرضة للحكم عليها بعدم الدستورية وإذا كان الأمر كذلك فان أثر “الرقابة الدستورية” تمثل الارتكاز الأساسي في حماية هذه الحقوق والحريات.

الشيء الذي أسس لمفهوم “دستور الحقوق والحريات” في مقابل “دستور فصل السلط”. اليوم مع “دستور الحقوق والحريات” أصبح الدستور بذاته وسيلة للمواطن للدفاع عن حقوقه، وأصبح الكل ملزم بالامتثال لأحكامه بدا بالسلطة التشريعية.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz