الرئيسية » عين حرة »

نخب تحترف الخطأ في المحطات

هناك ادعاء اليوم بوجود نخب سياسية أفرزها المجتمع والحراك الذي عاشه في السنوات الأخيرة -على خجل- وعلى عجل يأتي الحكم صادما لا يتوافق مع الواقع الافتراضي الثائر قصدا والمنزاح عنوة عن الواقع المادي المغلول أصلا بدراية تامة بعجزه وعجز نخبه عن ترجمة تطلعاته إلى واقع حي إيجابي مبشر بتغيير الحال والأفق.

والحال أن تلك النخبة في ظل ما سمي بالحراك لم تكن نخبة بأي حال من الأحوال بقدر ما كانت تجميعا لإرادات شاءت أن تلتقي زمنيا في ذلك السياق، بالرغم من اختلافها، فكان أن ملأت الفراغ وسدت مسد نخب موجودة خارج إعلان الوجود. وهذه مفارقة أصبحت معلومة لدى القاصي والداني، ولم تعد تسريبا من أي جهة من الجهات، لا في الداخل ولا في الخارج.

وغني عن البيان أن هذا الالتباس يخدم مصلحة التعطيل والفرملة من حيث قدرته على التشويش والبلبلة لمدة ليست بالقصيرة، وهو ما قد يساهم في الاحتقان والزعزعة التي يغذيها الانشطار والكبت السياسي عند النخب المحتقنة والجمهور العريض من الناقمين على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الذين وجدوا أنفسهم بلا تعبير أو تمثيل حقيقي فبقوا خارج الحراك والثبات، فلا هم بالبلح ولا هم بالعنب.

النخبة الحقيقية إذن لم تعرف نفسها بعد فهي تائهة مشتتة، تجتمع وتفترق، وهي في ذلك تتآكل بالتدريج، عاجزة عن فهم أسباب عجزها فكريا وعمليا، وتنظيميا لا ترقى إلى مستوى التنظيم، وهي بذلك وكأنها غير موجودة، وكأن عدم وجودها أصبح أفضل من القول بوجودها، وهذه مفارقة أخرى تستوجب الدراسة والبحث.

لقد رضيت إذن هذه النخبة المحتملة أن تبقى ظلا وصدى، تشكو وتنوح ولا تبوح بعجزها لتتطهر منه فتراجع أوراقها وتقوم اعوجاجها وتطلق طاقاتها الكامنة الموجودة والمفترضة، واكتفت بالتمثيل والأدوار الصغيرة، وهي الآن تحرق سفنها ومراكبها وتأكل أبناءها، ولم يعد لها إلا السباحة ضد التيار عنوانا لوجودها حتى لا يتم التشطيب عليها من الواقع والذاكرة والتاريخ. وهذه مفارقة أخرى تجعلها خارج التغطية، وقد انقطع إرسالها وسقطت في تمجيد التاريخ وأضاعت معالم الطريق، تحتاج إلى معجزة تعيدها وتعيد خصومها إلى الرشد..

حتما لن تكون صناعة النخب بديلا عن الولادة الطبيعية من رحم المجتمع الخصيب الذي يريد له الجهل عقما وعجزا مستداما يقضي على الزرع والنسل ويدعو السماء أن تكف عن مطر الوصل!

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz