الرئيسية » عين حرة »

نعيب على الدنيا والعيب فينا!

يبدأ يوم معظمنا بطريقة غريبة إذ يكون محملا بكسل وملل واستياء وشكوى وتذمر لا حد لها! فهناك من ينهض من نومه ليذهب لوظيفة يكرهها، وآخر ينهض من أجل التوجه لدراسة تخصص ما لا يشبهه نهائيا ولا يعلم ما الحل لإنقاذ نفسه من هذه الورطة. الأهم أن الكل يشعر بأنه في ورطة وبأن لا وجود لشيء مميز في حياته برمتها. وهكذا يشحن الشخص نفسه بطاقة سلبية منذ الصباح الباكر ويغادر منزله وليته لم يفعل!

إذ سرعان ما يصطدم بواقع أكثر مرارة من صباحه الممل: زحمة سير، جو ممطر، سماء مكفهرة، عقارب الساعة التي تجري ولا تنتظر أحدا… وما يزيد الطين بلة أن اليوم الذي ابتدأ مسبقا بنكد وغم وهم انتهى بمأساة! إنها مأساة الأفواه التي لا تكل من الشكوى والتي تصر إصرارا على جعلها مرضا معديا.

فإن التفت يمنة أو يسارا ستجد الشكوى تحيط بك من كل الجوانب، فسائق الطاكسي يشتكي، وبائع الخضر يشتكي، وعامل النظافة يشتكي، وزملاء العمل والجيران والأصدقاء يشتكون، خلاصة القول أن العالم بأسره يشتكي وما عليك إلا أن تساهم بدورك في هذا الإنجاز العظيم!

والحقيقة التي تغيب عن الأذهان هي أن العيب فينا وليس في الزمن ولا في الحياة التي نلقي عليها اللوم باستمرار.

صدق من قال بأن الكثير يجلب الأكثر، فكثير من الشكوى والتذمر كافية لجلب الأكثر والأكثر من المشاكل والمتاعب. فنحن نشتكي بطريقة تتجاوز المعقول من كل شيء بدءا من معجون الأسنان الذي نفد في الصباح ولم يستأذن منا وصولا إلى أشياء أخرى.

نشتكي من الحروب والمجاعة والأحزاب السياسية وكرة القدم، وغلاء الأسعار، والتخلف، والتعصب، والإرهاب الفكري، والرجعية، وتطول اللائحة وتزيد الشكوى في التفاقم والتراكم. لكن لحظة، ما الذي نفعله لتجنب الشكوى؟ ما الذي نقوم به من أجل إسعاد أنفسنا؟ الجواب: لا شيء، نكتفي بمجرد الشكوى.

إن المشكل الأساسي في الموضوع يتجلى في غياب شيئين:

الشيء الأول هو غياب الجرأة على التغير. فما الذي نفعله لنحول مسار حياتنا من روتين ممل قاتل إلى حياة نتطلع اليها بشغف وبحب وباستعداد كامل لخوض غمارها وتجاربها؟ إن خوفنا من التغير هو ما يقتل بداخلنا العزيمة والإرادة وحب الحياة. ولذلك تجد أشخاصا لهم أهداف ومتمنيات عديدة لكن هذه الأخيرة تظل حبيسة بالأذهان لا تتحقق ولا تتم ترجمتها على أرض الواقع، فالخوف مسيطر وغياب التفاؤل يجعلها بعيدة المنال، وفي بعض الأحيان نستكثر أبسط النجاحات في حق أنفسنا، ونعتقد كليا بأننا غير أهل بها، بينما في واقع الأمر نحن نستحقها وبشدة.

وأحيانا تجد أحلام بعضنا بسيطة لكننا نعقدها ونقفل الأبواب بيدينا الاثنتين على أنفسنا ونحكم الإغلاق خوفا من تسرب بصيص تفاؤل أو إرادة. إن الناس بطبيعتها تميل لكل ما هو سهل والأخطر في عصرنا أننا أصبحنا نميل إلى كل ما هو سريع وبالشروط التي نراها ملائمة! لكن قلة فقط من يقبلون التحدي ويصرون على النجاح مؤمنين بأن لا مستحيل في الحياة. فالفقير على سبيل المثال، لا يكف عن الشكوى لكن ما الذي فعله ليصبح غنيا أو ميسورا؟ يشتكي العاطل عن العمل من البطالة لكن ما الذي فعله للحصول على فرصة عمل أو وظيفة محترمة؟ تشتكي النساء من الفشل واليأس والكآبة ومن الشيخوخة –علما بأن الشيخوخة ما هي إلا نتاج تفكير محدود-، لكن ما الذي فعلنه ليتجنبن كل هذا؟

ويشتكي الناس عموما من قلة البركة في حياتهم وأموالهم، ومن سرعة الزمن، ومن المرض، والفشل، والحقيقة أنهم يريدون أن يحصلوا على كل ما يرغبونه دون بذل مجهود أو أي عناء يذكر، حتى وإن كان هذا المجهود يقتصر فقط على تغير طريقة تفكيرهم وفلسفتهم في الحياة، فتغير أفكارنا هي أول خطوة نحو النجاح ونحو ما نريد مهما كان ومهما بدا لنا صعبا، ويقول “جون أساراف” في هذا السياق:

“إنك تصبح ما تفكر فيه أغلب الوقت، لكنك كذلك تجذب ما تفكر فيه أغلب الوقت”

بمعنى أبسط وأوضح إن سر نجاحنا أو فشلنا يعتمد أساسا على الطريقة التي نفكر بها، فإذا فكرنا بطريقة متشائمة وسوداوية، مترسبة بالفشل والعجز فإن ما سيحدث هو أن حياتنا بأكملها ستتحول تماما إلى نفس الطريقة التي نفكر بها.

أما الشيء الثاني الذي يغيب كليا عن حياتنا هو ثقافة الشكر والامتنان، فنحن ناذرا جدا ما نشعر بالامتنان حيال ما نملكه بل نتطلع عادة إلى ما نفتقده. ووجود الامتنان شيء مهم وضروري جدا في حياتنا، لأنه يجعلنا أكثر وعيا بكثير من الأمور التي لا نفكر فيها. فنحن لا نشعر بالامتنان على صحتنا أو عائلتنا أو أصدقائنا أو قدرتنا على المشي وعلى النور الذي يسطع من عيوننا، نحن لا نشعر بالامتنان نهائيا تجاه ما لدينا وهذا هو الخطأ.

يقول مارسي شيموف: “إن الامتنان هو الطريقة المثلى لجلب المزيد من الخير إلى حياتك”

بمعنى أصح أن الامتنان هو السبيل الذي باستطاعته أن يجعل من يومنا يوما جميلا، مليئا بالتفاؤل وبالطاقة الإيجابية لأن تقديرنا لما يوجد في حياتنا سيشعرنا حتما بالسعادة.

في نظركم ألم يحن الوقت بعد لكي نستغل حياتنا بطريقة واعية ومسؤولة وبأن نسعد بما لدينا وألا نفقد العزم والعزيمة على تحقيق ما ننشده؟

ألم يحن الوقت بعد لنكف عن لوم الحياة عن أخطائنا، لأننا في معظم الحالات نكون المسؤولين عن تعاستنا، فعدم وضعنا لإشارات مرور في حياتنا يجعلنا نرتكب أفظع الأخطاء في حق ذواتنا وفي الأخير نجلس مكتوفي الأيدي ونطلق العنان للشكوى لتنخر في عقولنا!

ألم يحن الوقت بعد لأن نفكر فيما نحب ونركز عليه عوض أن نشغل أنفسنا بالتفكير والحديث فيما لا نحب ولا نرغب؟

ببساطة ألم يحن الوقت بعد لنشعر بهبة الله علينا حين ميزنا بعقولنا الخلاقة القادرة على التفكير والإبداع والابتكار ونشرع في تشغيلها بالطريقة الصحيحة؟

أترك الجواب لكم لتقرروا ما شئتم في حياتكم.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

منار رامودة

حاصلة على إجازة في الآداب الإنجليزية، من هواياتي كتابة المقالات والقصص القصيرة والخواطر الشعرية.

عدد المقالات المنشورة: 13.

خلاصات منار رامودة

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz