الرئيسية » عين حرة »

وريقات..

“عندما تصدر حكما مبيت النية بإعدامي.. لا تمنحني ترف اختيار وسيلة موتي أو حتى زمن قضائي.. فقد تحتقرك كثيرا نيتي في البقاء مجرد جدث”..

ظلت العبارة تتردد حارقة مريرة في عمق القلم، ترددت كثيرا وهي تقلب ألوان مدادتها الضيقة قبل أن ترتمي في أحضان البياض كفنا لبقية المعاني المتناهية حولها.

هكذا بلا مقدمات بلاغية، بلا كثير تفاسير حتى بلا ارتباطات معينة تذكرت وأنا أجلس نهاية هذا المساء إلى آخر فناجيني، آخر نزف وأول تبعثر، تذكرت فقط كل تلك السرابات و ما تفعله بخطواتي الملتاعة إليكِ، وكما يفعل المطر برائحة الفراغ تفجرت فداحة كل تلك الترابطات التي حولتنا إلى مجرد “بشريين” جدا.. يعاقرهما المنطق آخر محطات السفر.

لست بيت شعر، لست حتى قصيدة.. لست مساحة الغياب المفروش شغفا بالبقاء معنى.. لست سوى صدى، عار من كل الأمكنة كالرياح والأرض التي تعرفنا تماما كما تعرف الفصول، تبقينا تائهين في إيماننا بها لوعة لا ترحم.. جرح مفتوح على كل احتمالات الغيم..

أرشف من فنجاني كالعادة عشقي القديم، وأغرق في داخلي كل هذه الكلمات التي تتطاير كما دخانات السجائر هنا وهناك وفي كل مكان، بل حتى في شقوق اللامكان الذي يلوح أحيانا في نهاية النظرة.. لا تعنيني كثيرا، المقهى كالمساء تنتشي بالغروب ويطلق زبائنها على قارعة التشابه والأحاديت المطولة وسرابات الخلاص تظل تتطاير وتحوم حولي كعاهرة تعرض نفسها للمرة الأخيرة لكنني لا أهتم.. أظل عالقا في اللاشئ……………..

ترتفع نظرتي قليلا لتعود للسقوط إلى الأسفل حيث صدى الخطى والذكريات، بلا جهد واضح في وجوم لا يتماشى تماما وأثاث المشهد، لا أهتم كثيرا، يكفي رجلاي أنهما قادتاني إلى هنا والبقية تمزج نفسها بالصدى ودخان الملامح، وتنتابني كالبياض رغبتي في تحريك هذا المزيج الراكض… أأركض أم أسقط؟ أأتنفس أم أختنق؟ أأبحث عن الأجوبة أم عنا…

في مكان معين من رأسي تعبر العبارات، أبيات مفجوعة مكسورة غريبة وأحيانا متنافرة صادقة.. كاذبة بكل الألوان تظل تترنح بدورها في مجال الصوت الداخلي قبل أن تقرر الاختفاء، لا أطاردها أكتفي بمتابعتها تمر كالخطى، كالنظرات، كأجساد البشر، كأرقام الشوارع و العناوين لا.. أجيد أبدا اقتفاء أثرها.

“عندما تصدر… حكمك..” تتجزأ العبارة في مخيلتي أحاول كنسها لكنها تعود.. “لا تمنحني ترف الاختيار…”

أرشف كل ما تبقى في الفنجان المر.. أين تعلموا إعداد هذه القهوة الصماء؟ ألا يعترفون للذكرى حتى بالطعم، كل ما يربطني بالمكنة هو عبارات، مجرد عبارت لا تشنقوها هي الأخرى على مذبح التفسير… “فقد تحتقرك رغبتي في البقاء.. مجرد جدث” أدون العبارة على وريقة صغيرة وأغادر.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

عدد المقالات المنشورة: 3.

خلاصات رشيد بلفقيه

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz