الرئيسية » عين حرة »

وهم الحداثة

المتصفح لتاريخ المغرب المعاصر وخاصة منه مرحلة ما بعد الاستقلال إلى الآن لا يمكن له إلا أن يندهش من تلك المنعطفات الحاسمة التي كان يقف عندها المغرب في مفترق الطرق، بين انطلاقة نحو مجتمع الحداثة والرجوع إلى لحظة الصفر حيث يرتهن إلى عقلية ماضوية معطوبة تنحرف عن هذا الهدف.

هكذا سيعرف المغرب حالة الاستثناء وإصلاحات ذات طبيعة ارتجالية همت ميادين التعليم والفلاحة وغيرها، لترهن المغرب في مسيرة من الدساتير الممنوحة وبلقنة الخارطة السياسية من خلال ما عرفناه من تناسل للأحزاب وقمع للمطالب الشعبية وتجميع للسلط وإقصاء للنخب المعارضة ومؤسساتها عن دائرة الاستشارة وإدارة الشأن الوطني.

هكذا أيضا ستنفرد الدولة بكل القرارات وبتدبير كل القضايا ممسكة بخيوط اللعبة السياسية القائمة على حد المؤسسات الشكلية والاستحقاقات المشوهة.

وإذا كان جزء من النخبة المغربية لم يع في مرحلة متقدمة أهمية الانخراط في المسلسل الديمقراطي بانشغاله بقضايا ذات جذور إيديولوجية محضة فذاك مظهر آخر من مظاهر تخلف الوعي وفرملته ليبقى هذا الجزء تحت رحمة اختيارات لا ديمقراطية أطرت المسيرة إلى حكومة التناوب ! وبالفعل قدمت التجربة نفسها بدون ضمانات لتساهم في بناء اللحظة كما أرادتها الدولة ونخب أخرى خارجها جرت أحزابها للارتهان إلى مقولات تتزين بالحداثة وتلتبس بها لتقود المجتمع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وإعلاميا… إلى وهم الحداثة، وهي الصدمة الثانية.

وفي هذا المناخ اللاحداثي نبت وتشكل فكر ماضوي وتجلى في أكثر من هيكل وأكثر من صورة وأكثر من حقل اشتغال ليشن الحرب أيضا على مسيرة حافلة بالصراع والقمع والمعاناة والانتظارات، فكر ماضوي يتغذى على الانكسارات وعلى الحداثة المعطلة والمصادرة، ويقتات على أوهام الدولة والنخب الغارقة في حداثتها الشكلية، تلك الحداثة التي هيئت لها الدعاية والماركوتنغ ليستهلكها مجتمع غارق في بحر من القيم المتناقضة التي تطحنه وترمي به خارج الحداثة.

والنتيجة، تأخر وتخلف في الجوهر، في العمق، وحالات من الانشطار في الهوية ونكوص في البناء النفسي لأغلب الفئات الشعبية، وشعور عارم بالضياع واللا انتماء، وتخلص تام من كل ارتباط بالقضايا الجوهرية ومن تم إقبال جارف على الحداثة الشكلية المستوردة كنوع من التعويض عن المفقود وغير المتحقق أو ارتماء في أحضان فكر ماضوي يحاول كسب الجولات وحرق المراحل.

بهذا الصورة لا نمتلك من الحداثة إلا الظلال مما يستدعي مرة أخرى تقييما للاختيارات دولة وأحزابا ومؤسسات “المجتمع المدني” تقييما يسائل الواقع على ضوء التحديات وعلى ضوء الزمن المهدور وعلى ضوء أسئلة الحداثة في شموليتها وكليتها، فهي كل لا يقبل التجزيء كما أنها ليست معطى ثابتا ولا نموذجا جاهزا، إنها بناء متطور لا يعترف بالثبات ولا يعترف بالنهاية ولا يراهن على المطلق ولا يرتهن إلى الأوهام التي باتت مكشوفة في زمن الإعلام.

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz