الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 1)

لم أكن أتصور يوما ما أن أصاحب الماعز في رحلة سفر طويلة الى مدرستي الجديدة. كان السفر شاقا على متن عربة مسنة يجرها جرار هرم بين الفينة والأخرى يرحب بي ويكرمني بنسمات دخانه الأسود، تطيرت من نفحاته مع أنني لم أكن قط من المتطيرين، وأحسست ياليأس رغم أنني لم أكن أبدا من القانطين.

اتكأت على محفظتي الصغيرة، ومددت جسمي فوق أكياس لانكري التي خلتها مسخرة للقمح والشعير لأكتشف لاحقا أنها للحشيش و طابا، وبدأت أفكر فيما أنا فيه وتهت في خيال دافق بالمشاعر الجياشة للماضي الجميل؛ يوم كنت في مركز طنجة أمرح وأسرح وأفرح في مقهى الحافة ومغارة هرقل وأجواء الدالية الجميلة. لكن هذا السفر الشاعري الممتع سرعان ما انقضى ببول وروث ساخنين للعتروس المرابط على رجلي، لم أكترث للأمر وتمنيت لو يتبول جل الماعز كي أحس بالدفء نظرا للبرد الجبلي القارس.

صمت رهيب كسره أحد البدويين بسؤالي بعد أن أخرج سبسي يشبه عصا موسى في مآربها العديدة، تارة تسمع له زفيرا وتارة يكز كل جدي يتجرأ أن يقف أمامه وتارة أخرى يحك به رأسه بحثا عن قملة تائهة، قال: بكم تعمل؟ أجبته بتذمر: لا أدري. قال: أنا أعطيك سبعين درهما في اليوم شريطة أن تكون ماهرا في ضريب البانيو لاستخلاص الحشيش، أجبته بابتسامة: أنا المعلم الجديد. لم يكترث لما قلته ودار في حوار جهوري مع عجوز لم يتبق منها سوى ناب في فمها وشعيرات بيضاء تلامسن وجهها الشاحب، سرعان ما شرعت في عيوع جبلي رقصت لأجله الخرفان والماعز.

وصل الجرار بعد سفر طويل إلى بناية منهكة لا فرق بينها وبين الحظيرة سوى العلم الوطني الذي يرفرف بداخلها؛ لا كهرباء، لا ماء ولا مرحاض، الخلاء يتسع للجميع.

اقرأ الجزء 2

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

يسألونك عن التعليم في المغرب، قل هو أذى…
راقني جدا أسلوبك الممتع والشيق أخي السعيد، رغم الوقائع المخجلة والظروف التي جعلت من المعلم في مظهر باحث عن العمل في غيابات الجبال والكيف، إلا أن روعة الأسلوب حولت ذلك إلى متعة، وعبرت بصدق عن بعض من معاناة رجل التعليم في المغرب..
كما أقول دائما: حينما يصبح الرجل العادي مقدرا لدور الأستاذ ومدافعا عنه، حينها فقط يمكن أن نتقدم..
في انتظار الجزء الثاني بشوق..
مني لك أرق تحية..

أسلوب جميل و مؤثر ، بارك الله فيك ، سأنتظر الجزء الثاني بفارغ الصبر .

وصف شاعري دقيق من قلب المعاناة واللظى والحريق ، كان الله في عونك وعون زملائك الذين يتجشمون المشاق في سبيل إيصال لقمة المعرفة إلى الأدمغة الجائعة … وماذا أقول سوى صبرا آل التعليم فإن موعدكم الصبح أليس الصبح بقريب ؟

ا

ت
حتفتنا

ات
ن
ال

اتحفتنا اخي سعيد باسلوب رائع وكلمات منتقاة بدقة لتعبير عن واقع مرير واليم عايشه ويعايشه معلم قدر له ان يكون في اخر سلم وزارة التربية والوطنية ,فمزيدا من الابداع ولا تبخل علينا بما قد تجود به بنات افكارك ,دعواتك لك بالصبر والتالق ودمت صديقا مبدعا

ا

ت

ح

ف

ت

ن

ا

ا

خ

ي

س

ع

ي

د

زجل تضامنا مع الأخ السعيد الدريوش: والمعلمات والمعلمين المرابطين في تخوم الجبال
———————————————————————————————
قم للمعلم وفيه التأجيلا كاد المعلم أن يكون مهموما
إذهب للجبل فأنت مسؤولا وإن لم تدهب فأت مفصولا
ومكانك معلوم في ركن المقهى المذكورا خير لك من غبار الطبشورة
ونعين بدلك معلما مقهورا ويبقى القسم عليكم محظورا
هذا حال التعليم في دولة الحق والقانون وجميع الميادين المغلوبين عن أمرهم

‫wpDiscuz