الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 15)

في ليل عاصف غزير المطر، يكاد سنا برقه يخطف الأبصار، ويقتلع الأفئدة، هنا في قرية البترول الأخضر، استدعاني الفقيه الجديد سي بوجمعة إلى مسجد الدوار لتناول وجبة العشاء معه، فهناك شراكة بعيدة المدى بين الفقيه والمعلم على مر العصور قوامها الزرود والدكوك والأحاجي الأزلية. ترددت في البداية قبل أن أستجيب لدعوته الكريمة حزنا على صديقي الفقيه المطرود من القرية عمي العياشي، فسكان الدوار هم أسياد القرار، إما البقاء أو الرحيل، وصديقي العياشي كان ضحية النظام الديكتاتوري الحاكم، فقد طردوه بسبب فتوى صارمة أصدرها، وهي تحريم زراعة القنب الهندي، أو كما جاء على لسانه أثناء خطبة الجمعة: “وا جماعة، اتقوا الله، الكيف حرام…” ليقرروا طرده شر طردة أخذ على إثرها ما تبقى له من الشرط: خمسون ألف ريال، قنطاران من الزيتون ونعجة شارفة.

لم تكن الحركة عادية تماما عند الفقيه الجديد، أسمع صوت صراخ وعراك شديدين، ممزوجين بصوت قنينة الغاز الصغيرة التي تضيء المكان بوساطة ريال أسود قاتم يتسرب اللهب من جنباته ثلاثي الأبعاد. استقبلني سي بوجمعة بابتسامة هي أقرب إلى التخنزيرة منها إلى الابتسام، ثم جلس القرفصاء، عيناه ملتهبتان كالجمر، طيلة الوقت وهو يتمتم بعبارات غريبة، يناجي العفاريت، وعيشة قنديشة، والأخرى صديقتها مولات الواد، يتلو كلاما كسجع الكهان، أنامل يده اليسرى يقرع بها صلعته البراقة، ويده اليمنى موضوعة على جبين رجل ضخم الجثة قدم من الدوار المجاور، ترتعد فرائصه، تنتفخ أوداجه، تعرق ناصيته الكاذبة الخاطئة، وفقاعات بيضاء عديدة تنتشر كالفطر حول شفتيه المشقوقتين. قال الفقيه بصوت جهوري تعلوه مسحة الكآبة والضنك: “أخرج يا أيها الشيطان المارد، سخفتيني الله يلعنك!”، لم يجبه شمهروش، ولم يدر الفقيه في أي طابق يقطن، وعلى ما يبدو أنه نائم غير مكترث لشقيلبات الشيخ سي بوجمعة، واستمر الرجل في تقلباته العنيفة أمام أعين الفقيه الذي لم يستسغ هزيمته النكراء أما سكنتروحتريح وأخذ عصا غليظة يستعملها في قتل الفئران بالمسيد، وشرع يجلد بها ظهر الشقة المفروشة وهو يصرخ: “خرج يا ملعون، خرج آ عدو الرحمان..”، هدأ الرجل فجأة جراء إصابته بعطب على مستوى عصعصه حسب اعتقادي، ظن بوجمعة أنه انتصر على بني الجان، فابتسم ابتسامة واسعة أظهرت لوزتيه الضخمتين، وسلمه إلى أهله قائلا: “على سلامتو، راه كانت ساكناه عفريتة كافرة”، ليتسلم الفقيه ظرفا أرسله بسرعة الضوء إلى قب جلبابه الأبيض الملطخ بقطرات دماء المسكون، ثم توجه إلي بقهقهة عجيبة وهو يتصبب عرقا، قال لي: “باينة فيك آسي سعيد واكل”، قلت له: “نعم واكل بيضة ديال بيبي مقلية وكأس قهوة”، قال لي: “لا راك واكل توكال، ضعيف بزاف آصاحبي…” أحسست بالهلع، ليس من كلامه بل من تلك العصا التي جلد بها صاحبنا فأجبته بسرعة البرق: “لا لا لعظم ديالي هكذا مكنغلاضش”، قال لي: “لماذا لم تلب دعواتي السابقة؟”، قلت له: “العمل آسي بوجمعة، فليس سهلا أن تدرس قسما مشتركا: الثالث والرابع والخامس والسادس، عربية فرنسية”، قهقه الفقيه بعنف تطاير معها مخاطه المزركش باللون الأخضر ثم قال: “واشلاظة هذي ماشي قسم”، ابتسمت ابتسامة حذرة متوجسا من عصاه المرعبة، ومن كثرة الحجوبة المتناثرة حوله  كالحصى، وحاولت إنهاء الجلسة المنعنعة بسرعة متذرعا بوقت العمل المبكر. في الحقيقة لم أطمئن إلى هذا الوافد الجديد على منبر القرية لما شاهدته تلك الليلة العجيبة من أحداث، جعلتها الليلة الثانية بعد الألف.

عدت أدراجي إلى المدرسة مثقلا بحزمة من الأحاسيس المرعبة، كلما أبصرت عينين مضيئتين في جنح الظلام حسبتهما الجنية الكافرة تتعقبني، تريد أن تسكنني أنا أيضا، أحمل في يدي فانوسا كادت فتيلته أن تموت، وفي اليد الأخرى هراوة أهش بها على كلاب عبسليمو المفترسة، فجأة بلغ قلبي حنجرتي عندما صاح عبسليمو بصوت قوي: “فَيْ كوث آ لأزذاذ؟” وهو يطل بجمجمته من شق الباب الصفيحي المحاذي للطريق الضيقة، أجبته بابتسامة صفراء من فرط الرعب والهلع: “كنت مع  سي بوجمعة، محبوب العفاريت..” ثم تابعت مسيري تحت المطر أتلو ما تيسر من القرآن.

اقرأ الجزء 16

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

Osloubon salison bi 9alaben fokahiy mochawi9 ya7milo fitayatihi bo3dan siyasiyan tarbawiyan yanimo 3n 3n aro9iy lfikri li sayed said wa

بارك الله فيك يا استاذ ، لقد امتعتنا… وصدقني فصورك هذه نتقاسم تفاصيلها ، منا من دفع الثمن غاليا في علاقته مع فقيه الدوار ومنا من ازدرد الولائم تحت جلباب صاحب البركة الذي لا يرد له طلب ودعواته كلها مستجابة . في الحقيقة وصفك الدقيق لحركاته ذكرني بموقف جمعني برفيقي حنين العبودي عندما توجهنا الى المسجد لتسجيل الاطفال تفعيلا لمذكرة وزارية كانت ترمي الى ضرورة ادماج الاطفال الذين يقل سنهم عن خمسة عشر سنة في اطار التربية غير النظامية . لك ان تتخيل ردة فعل الفقيه الذي اكتسحه الغضب وانفجر في وجه صديقي : وغير ديو هاد لعيال مناقص منهم فسدتو اخلاق الاخرين وما بقاوليكم غير هادو … وهنا لا بد ان احمد الله لان رجلي كانت اسرع مما توقعت….

تحية عطرة لك ؛أخي الكريم الغالي؛أشكرك على تعليقك الأنيق كٱلعادة،حفظك الله

كانك تنقش على حائط اللغة باسلوبك البديع، وتنمق نقشك باستعارات لاذعة تشذ الانتباه .. الفقيه يزدرد الطعام وانت تزدرد الكلمات ، لكن بنهم وشغف يشدنا شدا إلى ما تكتب .. بوركت صديقي

كم أنت رائع،أخي وصديق الطفولة،هشام،أيضا الشكر لك ،ووزان تفخر بٱبنها البار،دمت متألقا

أ حسنت يا ازداد
لكن الواضح أن علاقتك مع رئيسك المباشر ليست كما يرام أنظلاقا من اتهامك له بـــ ” أكل مواد المطعم المدرسي” خفف عنه بعض الشيء لأنه مثلك يعاني وربما أكثر من جوانب أخرى
تحياتي لكل اساتذة العالم القروي الذين ئؤدون الواجب الوطني بغيرة و تفاني.

‫wpDiscuz