الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 18)

إنها سنة 2007م، الانتخابات البرلمانية على الأبواب، الصراع على أشده بين المرشح الأقوى في المنطقة (حرتوكة)، هولاكو المؤسسة التشريعية، والذي لم يغادر البرلمان منذ أن ولجه أول مرة، حتى سمعنا أنه قد حفظ الكرسي الأحمر الوثير في المحافظة العقارية، وبين المرشح (طبيسلة) الذي يعتبر من أشد المنافحين (من النفحة طبعا) والمدافعين بشراسة عن زراعة القنب الهندي وطابا، ويزعم أنه سوبرمان الذي حافظ  على الاستقرار الحشيشي من أي تهديد مخزني بالاقتلاع والإبادة، وهو الذي أفشل برنامج الدولة الرامي إلى استبدال القنب الهندي بتربية الماعز والأرانب. الدوار منقسم بين هذا وذاك، بل حتى العائلات والأسر: الأب مع حرتوكة، والإبن مع طبيسلة، هذا الاختلاف أدى مرارا إلى الطرد من دائرة الرضا والحشر في خانة السخط الأسود إلى يوم البعث: “سير آحميدو بغيتلاك لعافية دشوطاك”، يقول الأب…

ولا غرو أن تنتقل هذه العدوى السياسية إلى تلاميذ المدرسة، لأجد نفسي مضطرا إلى وضع خارطة طريق مستعجلة لتحديد أماكن الأطياف السياسية المتصارعة داخل الفصل السياسي، مخافة حرب طاحنة تدور رحاها بالبركار والمقص والخشيبات العابرة للقارات، صفان لمؤيدي حرتوكة وآخران لأنصار الفركوس طبيسلة، وطاولة وحيدة معزولة آخر القسم قرب الخزانة العنكبوتية لخميس، اللامنتمي سياسيا، وعندما سألته عن سر عزوفه الانتخابي أخبرني خلسة أثناء فترة الإستراحة، حتى لا يسترق السمع الواشون المتربصون به الدوائر فيتسسبوا له في علقة ساخنة من أبيه المتعصب جدا للمرشح طبيسلة: “آزداد هوما غير لَيْتصورو فلبورلمون، مالايقيو وَلاو”، قلت له: “آسي خميس لعن الشيطان، إنها مؤسسة تشريعية…”، أجابني وعصارة الخبز المحشو بالسمن الحار تقطر من فمه، ومخاطه الأخضر البراق يمتزج بالسمن فيبدو كلوحة سريالية بديعة: “وزداد ماعدنا لا طريق، لا غوندرون، لا سبيطار، لا مرحاضات، لا ضو، لا ما، وَلاو، هوما غير لَينعسو ويلعبو لكرطا فلبورلمان…”، فطأطأت له رأسي معترفا بصحة كلامه وسلامة فطرته، لينطلق كالثور الهائج صوب التلاميذ في الساحة…

تطاردني المناسبات الغريبة في الفرعية، فها هو مقدم الدوار يخبرني أن القائد يطلب مني السهر على عملية الاقتراع الانتخابي هنا بالدوار، مؤكدا أنه يضمن لي سلامتي الجسدية والمعنوية. تقاطرت وفود عديدة على المكتب يوم الاقتراع، قدمت من كل فج عميق، تحمل في يدها مختلف أنواع الأسلحة من السيوف إلى لخماسيات مرورا بالهراوات والعصي، وبدأت عملية الاقتراع في جو إرهابي مفزع. زهيرو لم تحضر أي وثيقة تثبت هويتها، وعندما طلبت منها الإدلاء بالبطاقة ثارت وهاجت، ثم قالت لي بنبرة عنيفة: “واش أنا لنكمي شقوفة لدقولي لبطاقة”، أجبتها بعبارات الاستجداء واستدرار عواطفها النبيلة تجاهي، لأنني رمقت ولدها يتأبط ساطورا خارج مكتب التصويت وهو يزمجر: “توحشت سونطرال”، فقلت لها: “آلحاجة لحنينة أقصد البطاقة الوطنية وليس لبطاقة ديال لكيف، الله يعطيني السقوط إلى قصدت شي حاجة خايبة…”، ضحكت لالا زهيرو لحبيبة ثم قالت: “إيوا هايتاك آسي سعيد…”.

بعد فرز الأصوات، فاز حرتوكة بنسبة ساحقة، لتنطلق معركة حامية الوطيس بين المعسكرين، ولولا حضور السيد رئيس الدائرة شخصيا إلى الدوار لكنت في قسم الإنعاش أرقص وأردد: “لا مرقة لا برقوق حرتوكة في الصندوق”.

الجزء 19

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz