الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 19)

هنا في جزر القناري، نسبة إلى القنارية والخرشف، لا قيمة للوقت، ولا معنى للزمن. أعمل طيلة الأسبوع، بما فيه يوم الأحد، هذا إذا أردت الحصول على الخبز والماء، لا بد من وجود ذلك الجيش العرمرم من التلاميذ في المدرسة أو بالأحرى زريبة بسبورة، حيث يقومون بسقي الماء من عين موسى وبركة المتيجة المقدسة التي لا تنضب، شربت منها حتى أصبحت معدتي سكنا آمنا لبوزريوط، إضافة إلى إحضار خبز طازج بعد إلحاحي عليهم بالسؤال الأزلي الخالد: “واش حميثو آلعيال؟” هذا يقول لك: “أزذاذ يما مشات دسقط”، وذاك يجيب: “حنا أزذاذ قينا طعام”، وآخر ينحني تحت الطاولة تهربا من الإجابة. دائما الشعيبية المسكينة تهرول كالمهر في أرض خلاء، وتحضر خبزا طازجا تنبعث منه رائحة الرماد، ما زلت أتنفس رائحته وأملأ عيني من لونه الرمادي الجذاب، تقول لي بصوت متلعثم: “أزذاذ بابا ليقولاك آجي دقصر معانا، راه ليذبح لعتوقة.”

لا بد أن يرجع التلاميذ مساء يوم الأحد أيضا للدراسة، حتى يتسنى لي تعويض الحصص التي تغيبت فيها أو بالأحرى التي علقت وسلت صوب الجامعة لحضور الدروس والمحاضرات، فقد كنت أمام خيارين: إما متابعة الدراسة الجامعية أو المكوث طيلة حياتي في الأدغال وأفق فكري لا يتجاوز با بو بي عا عو عي إع، وكانت سلتاتي من ملتهم المطعم المدرسي غالبا ما تكلفني اقتطاعات بالجملة من أجرتي الشهرية، فقد كانت له مخابرات الإحضي ياي في الدوار، وبمجرد ما يرمقونني هاز صاكي فكتافي حتى يهاتفونه على الفور: “واسي لموضير، راه معلق راه،،”. تارة أدلي بشهادة الحضور، وتارات عديدة أقع في مصيدة الاقتطاع، لكن على الرغم من كل هذا فتعويض الحصص لتلك البراعم كان واجبا علي إيمانا مني بحق أبناء البادية المهمشين في التمدرس.

مع غروب الشمس، وبداية انطلاق سمفونية الضفادع الشهيرة، وانضمام أوركسترا الصراصير إلى الجوق الغابوي معلنين بداية ظلام دامس، أنتعل بوطا سميكا وأرتدي جلبابا صوفيا، حاملا في يدي اليمنى فانوسا يرتعش من شدة قدمه، وفي اليسرى زرواطة مقوسة، ثم أتوجه صوب منزل عمي لعياشي الذي أجده دائما مرابطا أمام البيت وبجانبه شرذمة من الكلاب، يرفعون ذيولهم فرحا بقدوم المعلم الشاب، إلا واحدا منهم عدو الله، ما إن يراني حتى ينهال علي بالنباح الهستيري وكأنه رمق لصا، فأحلف يمينا حينها بحرمانه من الخبز اليابس عند قدومه إلى المدرسة صباحا. استقبلتني الخالة منانة بصيحة فزعت منها الدجاجات المرابطة في خمها، ورحبت بي قائلة: “مرحبا بالأزذاذ، شكيفنهي لحالا؟” أجبتها وأنا أهش بعصاي على ذلك الجرو اللعين: “ما دامت نيوبه بعيدة عن فخذي فأنا بألف خير.”

دخلت إلى الغرفة المخصصة للضيوف؛ كان بداخلها رجلان بزي مدني أنيق، وبجانبهم حقيبة يدوية تحتوي على ثلاثين مليون سنتيم، هم تاجرا مخدرات قدما من جبال الشمال الباردة لاقتناء أجود الحشيش بالدوار، فتجردت تلك الليلة من وزرة المعلم وأمسكت بحاسبة الكونطابل وشرعت أعد له الأرانب، نادبا حظي العاثر الذي أوقعني في شراك هذه الليلة اللعينة، وتحسرت على استجابتي لدعوة صديقي لعياشي لكن دارتها بيا لعتوقة.

قراءة الجزء 20

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

انت بتقل ايه انت يا جدع؟ هو انت لي عملتها للمديع ولا المديح هو لي عملها لك؟..دي عربي دي يا مرسي؟

إبداع متميز في كتابة القصة القصيرة بتصوير رائع لتجربة ستبقى عالقة في أذهان أساتذة عاشوا تجارب مشابهة.بالتوفيق

‫wpDiscuz