الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 20)

من المعلمين رجال مخلصون صدقوا الله ما عاهدوه عليه، منهم من غادر الفرعية وجبال طورابورا لينعم بحلاوة لانافيط، وليرتشف قهوة المساء وهو يداعب بأنامله المشقوقة سيجارة ذابلة يخرج دخانها من أنبوبي أنفه بدل فمه ابتهاجا بالحضارة والغوندرون، ومنهم من طار له العصفور في جزر الواقواق من فرط تدخينه للماريخوانا والشقوفة، ومنهم أيضا شر عباد الله، كائنات لا تُرى إلا في محاضر التوقيع ولا يعلمها إلا الراسخون في الخواض والخيانة؛ إنها العفاريت والأشباح، بينما الأزذاذ سعيد، وجه لكرفي، صكع ليام، فيتوجه إلى الفرعية الغائرة السحيقة ممتطيا صهوة الحمار الشهير في الدوار زعيريط، الحمار البوكوص، وينطلق كالسهم صوب الدوار هناك أعلى الجبل، أضع على رأسي ترازة تصل إلى أنفي من شدة اتساعها، تقيني أشعة الشمس الحارقة وبراز العصافير المتساقط من أعلى شجر الزيتون، وفي الشواري الأيمن ما تيسر من مؤونة الأسبوع في الأدغال، وفي الشواري الأيسر المذكرة اليومية وسجل الغياب. طيلة الطريق وذبابة الحمار تحوم حول الوثائق التربوية، وكأنها تريد أن تقول لي: “التعليم في الوسط القروي نجاسة”.

أما العفريتات فهن في راحة تامة ولا يطللن بجماجمهن إلا عند توقيع محضر الخروج، بل أكثرهن يستعرضن مهارتهن في الأبهة والفرفشة ويوقعن في بيوتهن وهن يلكن شوينغهوم، وعلى أعتابهن الشريفة المفسدون يلتمسون فقط رضاهن لأنهن زوجات البروميي كلاص، أما طروازيام حلوف، كاطريام ديفزيون، فإما التوقيع في الفرعيات الكئيبة أو أبوندمون دو بوسط.

من حسن حظي هذه السنة أن الفرعية القريبة من وزان قد فكت العزلة عنها بفضل المرشح الأقوى في القبيلة هولاكو، الأب الروحي للساكنة، المنقذ من لحبيبيس إذا ضبط أحدهم بالكيف أو الطابا، لذا قررت تغيير الفرعية والعمل عند هولاكو ووليداتو حتى فرقة مغلباتو حتى أتمكن من الذهاب إلى وزان ثلاث مرات في الأسبوع.

حزمت حقائبي وجمعت أغراضي، حتى لكاشة المثقوبة أخذتها أيضا سوفونير من صديقي فلعشرة بونقوب. تجمهر التلاميذ في ساحة الإسطبل.. آه المدرسة، وعلامات الأسى بادية عل محياهم الطفولي المزهر، إلا واحدا منهم صاحب المخاط العسلي الشهير لمصخوط ديال النادي، يهمس في أذن خميس المملوءة كلسا: “تهنينا من رطيلة ديال كونزيكيزان”، ليرد عليه خميس بكل قوة وحزم: “آلحلوف رطيلة خرجات من جنة”.

وصلت إلى مقر العمل الجديد بعد أن أرخى الليل ستائره على الفرعية. استقبلني المعلم أحمد بابتسامته المألوفة وبكرمه الحاتمي المعهود؛ برميل من الشاي بلعشوب. المسكين يكثر من فلايو بسبب إصابته بالروماتيزم منذ أن كان يعمل في جبال تالامبوط، وخمس بيضات مقليات منتشرات وسط مقلاة سوداء مقطوعة اليدين، وقنابل الزيتون الأسود. كانت ليلة جميلة تبشر بأيام رائعة قادمة في أفق سحيق مجهول. على الأقل الخبث سيخرج بكثرة لعشبوب.

الجزء 21

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz