الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 22)

على أنغام البنادير والغيطة الجبلية، وعلى وقع حوافر بغلة أنيقة متألقة، عليها هودج عروس، مكلل بتيجان الزهور والورود الربيعية الزاهية، ألقيت محاضرة اليوم داخل الزريبة، أدرس المستويين الأول والثاني مشترك، وخمسة مستمعين يقبعون آخر القسم، لا وظيفة لهم سوى النوم العميق على الطاولات والتبول تحتها، وتعطير أرجاء القسم بالقذائف والقنابل المسيلة للدموع.

لم يكترث العفاريت لما أقوم به من شرح وإيضاح، بل هرولوا مسرعين صوب مسيرة العروس الحاشدة، ذهبوا جميعهم مع التركيبة يرقصون ويغنون، وتركوني وحيدا في القسم مع أم أميمة معلمة، أخاطب الصويرات كالأحمق، أحركها كالأراجوز الذي يتلاعب بالدمى من وراء ستار، أناجيها وتناجيني، أحبها وتحبني، هي الأخرى تؤنس وحشتي في الفرعية، هي أشرف بكثير من أناس تعودوا التكسب من مآسي أولاد الشعب، يزدردون المطعم المدرسي بشراهة، يقتسمون أموال الأقسام الوهمية لمحاربة الأمية، لصوص بثوب الأطهار.

تبدو أم أميمة كالموناليزا، ابتسامتها على السبورة تخفي أسرابا من الأسرار والمعاني، ربما تود الإفصاح عن معاناتها مع إداري خائن يتلاعب بالمناصب كما يتلاعب المقامر بأرقام الكلاب والخيول، أو تريد الحديث عن نقابي فاسد يتاجر في أحلام المعلمين ومآسيهم، أو عن مسؤول رفيع لا يفقه في التربية سوى التسويف والتزييف والخيانة وجمع أموال الصفقات المشبوهة.

ظللت مشدوها أمام الصويرات، عيناي متسمرتان على هذا العالم البريء الذي لا يعرف الخيانة أو المتاجرة في أحلام البؤساء. السنوات الأولى من العمل كانت كلها حماس وإصرار، أو بالأحرى كنا مغفلين وبلداء عندما حاولنا تطبيق تلك الأسطوانة المشروخة التي شحنونا بها في مركز التكوين على وسط هو أقرب إلى العصور الخوالي وبلاد ما وراء الشمس بفعل الإقصاء والتهميش، لكن سرعان ما راودنا الشك الديكارتي وبدأنا نتساءل عن مغزى تقنيات التنشيط قرب الحمار زعيريط الذي لا يحلو لصاحبه احميدو ربطه إلا في ساحة المدرسة، ويزيد على ذلك بقوله: “وارمي عيناك آلأزذاذ مع لحمار راه ليزعرط”…

بدأنا نربط بين الوزرة البيضاء وغياب المراحيض حتى إذا بلغت الحلقوم فإنك تهرول كالمهر بوزرتك صوب أقرب شجرة كثيفة لتكرمها بالسماد والذبال الطبيعيين، بدأنا نشعر بمهزلة الجوضاضات، فكرنا أيضا في سيارات النقل السري التي تقل المطعم المدرسي مباشرة إلى بيت السيد الرئيس عوض بطون الأيتام والجوعى. التفكير علامة الوجود، نحن نفكر إذن نحن موجودون.

استغرق الحوار طويلا مع الصويرات، والعفاريت لازالوا يرقصون ويغنون خلف العروس فطيمو، هي الأخرى لا تدري إن كانت ستذهب إلي السويرتي أم إلى بيت الزوجية، السنة الفارطة كانت تلعب مع الفتيات في المدرسة طويسة؛ مشاهد مضحكة من مسرحية هزلية بإخراج تراجيدي مخيف. وبينما أنا منهمك في حواري المطول مع أم أميمة، إذا بي أشتم رائحة الدجاج المحمر تداعب أنفي وتلامسه بحنان ورفق، اقتربت من باب القسم فإذا بي أجد أب العروس يحمل في يده صحنا غائرا يتصاعد البخار من جنباته كبركان يستعد للانفجار، ارتسمت على محياي ابتسامة طفولية فرحا بلالا مولاتي لعتيتيقة، لكن اللعين مر بدون تحية ولا سلام صوب رجال الدرك الذين كانوا ينتظرون الزردة في دكان القرية، كم تمنيت حينها لو كنت دركيا حتى أتذوق العتوقة الوسيمة، إلا أن القدر شاء أن أحمل القِرطاس عوض القرطاس، وقلم الرصاص عوض الرصاص.

الجزء 23

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

00.45 بتوقيت الجزائر ، أقرأ لك منذ حوالي الساعة وقد أكملت جل يومياتك التعليمية التي كتبتها في هذا الموقع ، أسلوب رائع بالفعل قل له نظير ، نقلت القراء لجميع الأماكن التي تحدثت عنها وفي جل المواقف التي كتبت عنها كنت حاضرا هناك كشخصية جانبية مع فقيه الدوار وفي حقول الحشيش ، عند شجرة الزيتون حيث يوجد الريزو وفي القسم حيث يوجد الصغار المشاغبون …
لا أدري ما الذي يمكن قوله غير أن لك أسلوبا جميلا يصلح للرواية والقصة القصيرة ، أسلوبا ينبع من أعماق المغرب ، ليصل قلوب قراءك…
ماشاء الله إستمر في الكتابة من فضلك 🙂
بالتوفيق…عبد الله ..أخ لك من الجزائر.

تبارك الله عليك ” ألزداد” كأننا نشاهد حفل العرس ونشتم روائح الدجاج المحمرونصاب بخيبة الأمل من عدم وضع اليد عليه .. لك قدرة هائلة على التقاط ما لا يلتقط ووصف ما لا يوصف بأسلوبك السهل الممتنع .. ماذا يمكن أن نقول أكثر سوى (( وارم عينك ألأزداد على الدوار راه ليزعرط )) قبل أن تنتقل منه وتتركنا من غير مراسل .

شكرا لك أخي الكريم عبد الله على كلماتك المفعمة بالمحبة والإخاء،وسلامي للجزائر الحبيبة،
الشكر موصول أيضا لأستاذي وأخي سيدي محمد الحياني،حفظك ٱلله

‫wpDiscuz