الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 5)

حرب ضروس خضتها البارحة مع بعض الغزاة المتسللين، تعالت فيها أصواتنا من ضراوة العراك والشجار، انتهت بجريمة قتل بشعة، راح ضحيتها أربعة فئران من فصيلة بونقوب، هم كيهود بني قنيقاع؛ دوما سباقون لنقض العهود والمواثيق، هادنتهم على السلم أياما طويلة فأبوا إلا أن يعلنوها حربا شمطاء، التهموا لي غطائي فأحدثوا فيه ثقبا أفسد علي أحلامي الجميلة، لم تنفع معهم لا المصيدة الحديدية، ولا الحبة السامة، ولا حتى اللصاق الخشبي. أفرح مرارا عندما أحس بشيئ ما سقط في الفخ، ألتفت بسرعة فإذا بي أجد رِجْل صديقي عبد العالي السمينة وقعت في الأسر، لم تُجدِ معهم حيلة ولا حرب ولا مكيدة، المهم هو أن نقتسم الأرض ونترقب الأوضاع، فإن أحسنوا أحسنا، وإن أساؤوا الأدب استعملنا أعتى أنواع الأسلحة للدفاع عن أنفسنا.

غرفة واحدة تتسع لجميع الكائنات: المعلم، البونقوب، الضفادع، العقارب، أم الأربع والأربعين، وبين الفينة والأخرى يزورني ثعبان أو أفعى، هم أيضا يقصدون الدار الكبيرة، لا يمكنك أن تنام في هناء وصفاء كسائر خلق الله وإلا لنمت طويلا إلى يوم القيامة، ويزداد ترقبك حدة عندما تسمع أحدا لدغته حية أو عقرب، الوضع خطير بكل المقاييس، أصبحت غرفتي كوكر ساحر أو كاهن، القطران في كل جانب، المصيدة في كل مكان، خطة عسكرية محكمة فاقت خطط الروس والأمريكان.

ذات صباح ناعم جميل، وعلى غرار الأخطاء القاتلة التي ترتكب من قبل الشاطر الحاذق، لبست حذائي بسرعة البرق، فإذا بي أحس بشيء أملس يقبل أصابع رجلي، اصفر لوني، اقشعر بدني، وتسارع نبض قلبي فرددت الشهادتين، ثم بدأت أسحب رجلي شيئا فشيئا، كم كانت المفاجأة سارة: ضفدعة عجوز تنظر إلي بابتسامة جميلة وكأنها تقول لي: “آو حضي راسك ليفوزو بيك القومان يا فلان”. ظهر الرعب في البر والجو والحيطان، تغفو قليلا وعندما تفتح عينيك تجد حرباء أعلى السقف، ليس بمقدورك قتلها أو حتى التأفف من وجودها، فهي كما قالت العجوز فطيمو ذات يوم: “راها شريفة آ أُزداد، ويلا قتلتيها ماشي تفلس”، سمعت نصيحتها فالدين النصيحة، وكل ما أقوم به تجاهها هو أنني أهش عليها وأطلب منها الانصراف طوعا وعن طيب خاطر، فإن أبت انصرفت أنا.

التعايش مع الحشرات والزواحف في غرفة واحدة يحتم عليك معرفة لغتهم حتي تتمكن من التواصل معهم بشكل أفضل، فمثلا زيو ليست هي غواق غواق.

اقرأ الجزء 6

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz