الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 6)

 للمعلم فرحتان: فرحة عند ترقيته، وفرحة عند حلول العطلة المدرسية. تأبطت أغراضي، وامتطيت جرارا أقرعَ أصلعَ، بدون سقيفة تقينا أشعة الشمس الملتهبة، وتوجهت صوب مدينتي الصغيرة، منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي، وفي فؤادي لوعة الشوق والحنين، أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي، أحن إلى الجلوس في المقهى وعلى طاولتي قهوة الصباح وجريدتي اليومية وعود الثقاب؛ لا أدخن وإنما أستعمله في تنقية أسناني من مخلفات نقانق الجموعة، أحن إلى الحمام الشعبي وحلاق الحي.

مضت ساعات ونحن نجوب البراري والربى، مخترقين الحقول والمروج، أنا وسائق الجرار عمي التهامي، لم يصمت طوال الوقت، حديثه كله عن السياسة والفساد والظلم، عن أولئك الذين يلتهمون ولا يشبعون، يفترسون ولا يملون، ينهبون ولا يرحمون، هو جندي متقاعد، حدثني أيضا عن مغامراته في الثكنات العسكرية، وعن دوره في حماية الجبهة الجنوبية للوطن، وعن الساعات التي قضاها يطبخ ويكنس في فيلا قائده عوض أن يقضيها مرابطا على الحدود، حدثني عن معاشه الهزيل الذي يتقاضاه، لذلك التجأ إلى خدمة الوطن والمواطنين بزرعه نبتة الحشيش وطابا لعلها تخفف من معاناة الشباب عن طريق التبواق والتقرقيب.

وأخيرا وصلت إلى مدينتي الحبيبة وزان، استقبلتني أمي بزغرودة جميلة، قلت لها: “توحشثك آيما، شكيفنهي لحالا، حميثي ولا مازالا؟” ضحكت وحسبتني أمزح معها، ولم تدر أنني قلت ذلك بعفوية متأثرا بحياتي الجبلية البسيطة، معتزا بأناس بسطاء بصموا التاريخ بعبق القناعة وعمق الانتماء، نسيت كل شيء حتى كيفية المشي على الطريق المعبدة، أصبحت أمشي كطفل في محاولاته الأولى للوقوف، صار صوتي جهوريا مندفعا، أنادي على أمي بأعلى صوتي وكأنني أنادي على التلاميذ الذين يسرقون السفرجل من أعلى الربوة، اعتبروا الأمر عاديا ولم ينتبهوا للتغيير، الأمر الوحيد الذي لفت انتباههم هو شعر رأسي الكثيف ولحيتي الطويلة، وأنا على يقين أنهم انتبهوا أيضا لرائحة رجلي الباريسية، المشتقة من عصارة البوط البدوي الأنيق، إلا أنهم آثروا الصمت وٱكتفوا فقط بالسعال وٱلعطس. سألتني أختي: “لماذا لم تذهب عند الحلاق هناك؟” قلت لها: “مسألة وقت”، وأنا أعلم أن الذهاب إليه يتطلب أربع ساعات مشيا على الأقدام لكي تصل إلى السوق الأسبوعي، ثم تنتظر دورك أمام الخيمة ساعات حتى يتسنى لك الولوج عند حجام متعدد ٱلاختصاصات: حلق الرأس، نزع ضرس أو ناب، طلسومة أو تميمة توقع بها شخصا في شراكك، أو تتسبب له في عاهة مستديمة، أو تلقي به في القبر. توجهت بسرعة عند الحلاق ثم بعدها مباشرة إلى الحمام لإزالة الطبقات الكلسية الجاثمة على جسمي بسبب الطباشير الذي يشبه القنابل المسيلة للدموع، أصبحت إنسانا آخر بملامح دوبلفي، تاركا ورائي الفرعية وماضيها، لكن مع ذلك أرى في المنام تلميذي النادي بمخاطه المتدفق، وسرواله الفضفاض، وطربوشه الأكبر من رأسه يقول لي: “معاياش داخلين غدا آأزداد؟”

اقرأ الجزء 7

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

تبارك الله على السي سعيد راك متألق في مذكراتك وأرجو بصدق ان تكون بصدد إخراجه على شكل كتيب واعلم أني سأكون أول من يشتري الطبعة الأولى
أشكرك بصدق على أسلوبك الرائع والذي لا أمل من إعادة تكرار قراءة بعض الجمل الخطيرة فيه

بارك الله فيك أخي عبد الصمد،وهذه شهادة أعتز بها لأنا نابعة من قلم متميز،وفكر متنور،ورؤية مزهرة،لا أجاملك وإنما هي الحقيقة،دمت أنت أيضا مبدعا،وبارك لنا ربنا في طريق العلم والتعلم،اللهم زدنا علما،وعلمنا ما ينفعنا وٱنفعنا بما علمتنا

أدق وأروع ما قرأته لحد الأن عن المعاناة للمعلم بالفرعية المدرسية ، و الله أخي السعيد جعلتني أحيا مرة أخرى بأدغال واوزكان وخلاء إيساكن وبراري بني أحمد ، فقد أرجعتني بأسلوبك الساخر و نبزاتك البليغة إلى تفاصيل العيش هناك، حيث كنا نرابط على جبهة التنشئة على حب هذا الوطن العزيز جازما أن عشق المهنة و التضحية يقودان حتما إلى معانقة المخاطر و قطع المروج و الأدغال و التمرغ بالوحل و التراب و الإحتماء بالزنك و ما شابه …

‫wpDiscuz