الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 7)

المعلمون حائرون، يتهامسون، يتساءلون في جنون عن ٱلأوضاع في جزر ٱلواقواق، عن أخبار ٱلفرعيات ومآسيها، ملتفون حول مائدة مستديرة في ٱلمقهى، يرتشفون قهوة ٱلصباح كٱلعادة، يشربون ٱلعصائر وٱلشاي ٱلمنعنع، ترى في وجوههم نظرة ٱلنعيم وٱلارتياح بعد شهور عجاف قضوها في أدغال ٱلأرياف، هذا قادم من فيافي فيفي، وذاك آت من فجاج تلمبوط، وآخر عائد من أعماق بني دركول، دون أن أنسى ٱلوافدين من ٱلأقاليم ٱلصحراوية، تعرفهم بسيماهم من أثر ٱللسع وٱللدغ وٱلعض، عنكبوت جنوبي يضاهي خنزيرا بريا هنا في غابة إيزارن. جيش عرمرم من ٱلمعلمين ٱلشباب، جلهم من ٱلذين كتب على جبينهم ٱلقسم ٱلوطني ٱلفرعي، إلا واحدا من أصحاب ٱلبطولة ٱلإحترافية، أنعم الله عليه بتعيين يطلق عليه في عرفنا نحن أصحاب طباشير ٱلقالب لانافيط، يجلس بيننا وكأنه شهريار زمانه، أيقونة عصره، يتحدث بٱفتخار عن عودته كل يوم إلى ٱلمدينة، وعن ملامسة رجليه للكودرون، وٱستمتاعه بألوان ٱلتلفاز ٱلزاهية، أما نحن فقد أصبنا بعمى ٱلألوان من شدة ٱفتقارنا للكهرباء وكثرة مشاهدتنا للواقع ٱلأسود.

الرفاق تائهون، يدخنون، يتحدثون عن سرقتهم للكهرباء من ٱلأسلاك ٱلعمومية، يخطفونها خلسة إلى مساكنهم ٱلمظلمة حتى يتمكنوا من مشاهدة ٱلتلفاز، منهم من يقتصد على ٱلجماعة ٱلقروية، ومنهم من ينتقم منها شر ٱنتقام فيشغل أيضا ٱلريشو ومولينكس وعصارة ٱلبرتقال. الكهرباء بٱلمجان، وماء ٱلعيون وٱلآبار بٱلمجان، وسكن ٱلميكروصاطليط بٱلمجان، إنها ٱلبورجوازية ٱلمتوحشة، وٱلأرستقراطية ٱلغابوية، وٱلأبهة ٱلبدوية.

يخططون للهرب من قطران بلادي إلى عسل ٱلبلدان، ينسجون خططا محكمة للهجرة إلى ٱلخارج، هذا يفكر في ٱلزواج من شمطاء أوروبية شاب وليدها، وآخر يريد ٱلتسلل عبر قارب من قوارب ٱلموت؛ وذاك عن طريق ٱلقرعة إلى أمريكا. سئموا وملوا من حياة بئيسة مرعبة؛ لم يتفوه زميلنا ٱلمعلم بأية كلمة مدة مكوثنا في ٱلمقهى، سألته: “ما ٱلأمر؟” أجابني بأسى وأسف دفينين: “لقد غادرت ٱلفرعية يومين قبل ٱلعطلة، حتى يتسنى لي ٱلذهاب في ٱلشاحنة ٱلوحيدة ٱلمتوجهة إلى ٱلمدينة، فعلم ملتهم ٱلمطعم ٱلمدرسي بٱلأمر، وأخبر ٱلمسؤولين بغيابي”، أصبت بٱلذهول وٱلدهشة، فقلت له: “إذن سيخصم خمسة عشر يوما من راتبك، وبناء عليه أنت من سيدفع ثمن ٱلمشروبات ٱليوم”.

اقرأ الجزء 8

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

من صلب المعاناة تحكي ،و من خيوط الإحساس الصادق تنسج خيوط هذه الأوراق في تناغم سلس بين الذات الراوية و الموضوع المعيش ،صحيح لحظة لقائنا كانت أشبه بفنطزيا الكلام ومهرجان الثرثرة ، نريد أن نستعرض مغامراتنا الصغيرة و المضحكة مع البلداء من التلاميذ وشيوخ القوم و الحارس و صاحب الدكان وسائق أسطول النقل السري ، وحكايات أخرى نظيف إليها بعض التوابل من العزة و الإباء لتصلح للحكي خصوصا في تماسنا مع المدير و المفتش و الزميلات .. نتسابق في أخذ الكلام حيث يبرع ذووا الخيال منا في إغراقنا بقصص يلعبون فيها جميع أدوار الفتوة و الوسامة و التضحية بما في ذلك التصوير و الإنارة و التسويق الخارجي …تماما كمن خرجنا لتونا من معتقل رهيب ، نريد أن نتدارك مافات لنتصالح مع الزمان (mise a jour)هنا فهمت لماذا كنا نضحك من حديث المقاتلين المغاربة الذين جرتهم فرنسا للقتال في جنوب شرق أسيا منتصف القرن الماضي ، يصفون المعارك ، يقلدون أصوات الإنفجارات بحركات ماكرة لشفاههم الداكنةالرخوة ويرسمون صور الزحف و النصر ونيل أوسمة البطولة و الإقدام من أناميل بني الأصفروما عاشرهما من اجناس أخرى . كل ذلك بصوت مرتفع خشن…أبدعت أخي السعيد وفقك الله

الله؛الله؛الله؛والله كلام رائع وغاية في ٱلروعة،ووصف أنيق،أبدعت أخي ٱلكريم،وتفوقت على يومياتي،هزمتها بٱلضربة ٱلقاضية،أتمنى لو تشاركنا بإبداعك،

‫wpDiscuz