الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 8)

ما أضيق ٱلعيش لولا فسحة ٱلأمل، وما أعذب ٱلإصباح بعد ليل شديد ٱلعتمة والظلمة. كنت دائما شديد ٱليقين وٱلإيمان بأن ٱلمؤمن ٱلقوي هو قضاء ٱلله وقدره، وأنك إذا لم تزد شيئا في ٱلحياة كنت زائدا عليها، فكرة رائعة ٱستحوذت على مشاعري وأنا أسبح بعينيّ في سهول مخضرة مترامية ٱلأطراف بٱلفرعية، أستنشق هواء ممزوجا بدخان ٱلكوشة، ينتظر ٱلتهامي محصولها من ٱلفحم، حتى يبيعه في ٱلسوق ٱلأسبوعي، هي مصدر رزقه ٱلوحيد، يعيل بها أبناءه ٱلستة. هو إنسان شديد ٱلقناعة وٱلإيمان، دائما يردد قولته ٱلأبدية: “أن تعيش بٱلقليل ٱلحلال خير من ٱلكثير ٱلحرام”. لا يملك سوى كوخ بسيط معزول هناك في ٱلغابة وسط أشجار ٱلزيتون ذي ٱلعطر ٱلأريج، وحمار كهل يحمل عليه أثقاله.

فكرة ٱنبثقت من أعماق ٱلقلب، ضاربة عرض ٱلحائط أنين ٱلحزن وشوك ٱلأسى، قررت أن أتابع دراستي ٱلجامعية، وأن أداعب ٱلقرطاس وٱلقلم عوض ٱلكارطا وٱلبارشي وٱلكوامل وٱلدكوك، قررت أن لا أستسلم للواقع وأن أقتحم ٱلصعاب، فما نيل ٱلمطالب بٱلتمني ولكن تؤخذ ٱلدنيا غلابا. بينما أنا تائه بفكري، أسبح داخل أروقة ٱلعلم وٱلمعرفة، إذا بتلميذ قادم من ٱلمركزية يحمل رسالة خطية من ٱلسيد معشوق ٱلجوضاضات، يخبرني فيها بضرورة ٱلتوجه إلى زومي قصد ٱلتكوين، ٱرتبكت في ٱلبداية، فٱلوقت ضيق، ولا توجد وسيلة نقل إلى هناك، فكرت مليا في ٱلأمر، لكنني لم أصل إلى حل سديد، فجأة خطرت ببالي فكرة: بغل صديقي مصطفى، جهزه جيدا حتى قد يخيل للناظر من بعيد أنه فرس عربي أصيل.

وضعت ٱلوثائق في ٱلشواري ٱلأيمن، وما تيسر من ٱلمأكولات في ٱلشواري ٱلأيسر، وٱلوزرة ٱلبيضاء على رأسي تقيني أشعة ٱلشمس ٱلملتهبة، وٱنطلقت على بركة ٱلله، تارة أناجي نفسي، وتارات عديدة أدردش مع ٱلفرس ٱلبغل. قلت له: “هل تعلم أيها ٱلبغل ٱلوسيم لقد حصلت على ٱلبكالوريا بميزة حسن وعلى ٱلرغم من ذلك فأنا هنا وسط ٱلأدغال وٱلبراري”، تابع مسيره ولم يتفوه بأية كلمة أو إشارة تدل على أنه مهتم بكلامي. قلت له مرة ثانية: “كيف يعقل أن تظل ٱلبوادي هكذا مهمشة، فقيرة، معزولة، أليس في ٱلبلد رجل رشيد؟” ٱنتفض صديقي ٱلبغل ٱنتفاضة شديدة، ليتغوط بعدها بكل أريحية، علمت حينها أنه تغوط على ٱلمسؤولين ٱلذين أفسدوا أكثر مما أصلحوا، ونهبوا عوض أن يعمروا، وأخلفوا وعودهم ٱلانتخابية تجاه ساكنة ٱلدواوير.

أثناء طريقي إلى زومي، مررت بحقول شاسعة من ٱلقنب ٱلهندي، حشود هائلة من ٱلشباب وٱلنساء يعملون بهمة ونشاط في موسم ٱلهجرة إلى ٱلشمال، يقومون بتنقيته من ٱلطفيليات ٱلضارة، ونسوا أن ٱلضرر فيما بقي لا فيما ٱقتلع، منتشرون كٱلجراد وسط ٱلحقول وٱلسهول، هؤلاء هنا، وآخرون هناك، مختبؤون في ٱلبيوت ٱلمتناثرة بعيدا عن أنظار ٱلمارة، تسمع لهم صوتا متناغما، يضربون ٱلبانيو بكل إتقان وإحكام لٱستخلاص ٱلسموم ٱلمصدرة إلى أبنائنا وشباب أمتنا. تنهدت تنهيدة عميقة، وصحت بأعلى صوتي: “أين أنت يا حكومة؟” ما إن سمع ٱلبغل ٱلوسيم هذه ٱلكلمة حتى توقف، وٱلبقية تعرفونها،،،

أخيرا وصلت إلى ٱلمدرسة، لم أتوقف عند بابها بل دخلت ممتطيا صهوته حتى وصلت إلى ٱلأقسام غير مكترث لنظرات ٱلجميع ٱلتي توحي بٱلدهشة وٱلاستغراب.

اقرأ الجزء 9

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

تستحق منا وساما من درجة فارس

وصفك طبق غاية في اللذة ، وبناؤك السردي أرجوحة تتمايل بين عمودي الإثارة و الواقعية .تعلم أخي سعيد ، أكاد أجزم عند كل ماسة من هذا العقد أنها ذروة العطاء فتفاجؤني يومية لاحقة بشلال من التعابير الجارفة للحس و الإنتباه فأتمنى من العمق ان ألتهم هذا العقد دفعة واحدة . وتخيلتك شامخا فوق الصهوة تجوب صحاري الكيف قادما من الدوالح أو الشرفاء او بئر أنزران أو الخيص أوتملة…أو ما شابه من قلاع التضحية .هنيئا لك ووفقك الله

أنت على حق أخي ٱلغالي،إنها مجموعة مدارس تملة،فرعية عين جير

الأن كبرحكيك في داخلي أكثر ، مولدا في ذاتي دافعية أعمق لمعرفة المزيد ، لا لشيئ سوى لأن للأمكنة معنى و حضور في الخيال القصصي ، عهدي بعين جير إستغرق 24 ساعة ، حللت بها بعد العصرلأفاوض الاخ صلاح على منحي شرف تدريس لغة الضاد للقسمين الخامس و السادس قبل أن نزدرد ديكا بلديا في منزل عبد الله وفي نفسي شيئ من قرار صالح ، في الصباح إمتطيت شبكة 207 صوب باب الميزان الذي أحالني توا على عوالم لم أراها إلا في التلفاز إنها أقرار وهذه قصة اخرى….

الوسام أخي عزيز يستحقه جميع المعلمين وٱلمعلمات،خصوصا المرابطون في أعالي الجبال

ابداع صادق ووصف دقيق لمعاناة رجل التعليم بالعالم القروي…

لقد قرأت للتو هذه الحلقة من سلسلتك القصصية أخي سعيد. عمل متميز ، أهنئك على تألقك المعهود…

تحية إجلال وتقدير
لكل الإخوة المعلمات والمعلمين
المرابطين في تخوم الجبال

تحية للاستاذ
الله يوفقكوم

‫wpDiscuz