الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 9)

أشرقت شمس الصباح تمشي على استحياء، أشعتها الخافتة تغازل عيني الشاحبتين من طول السهر، أرخت سدولها على الأقسام المهترئة البالية، مداعبة عناكب الشقوق وحشرات الجدران. لم أسمع صياح ديك عبسليمو هذا الصباح، علمت لاحقا أنه قدم قربانا للفقيه في العشاء، اعتبرتها خيانة عظمى لا تغتفر، يدعوني فقط عندما يصدم بقدر من الحمص أو الفول، أما اللحم الطرية الطازجة فيقول: “نفسي نفسي”.

إنه يوم جديد بملامح قديمة؛ الأولاد يركضون في الساحة، والفتيات تلعبن بالحبل هناك، رائحته النتنة تزكم الأنوف، تحضره السعدية خلسة كل يوم من الزريبة، ثم تعيده عند خروجها لتربط به ذلك البغل الوسيم عدو الحكومة الشهير. إبراهيم كعادته يكمل نومه تحت شجرة الزيتون أسفل التل، متكئا على محفظته الممزقة، صوت شخيره أزعج الضفادع المرابطة في الوادي، يستيقظ من نومه مباشرة عندما يسمعنا نردد النشيد الوطني في غياب تام للعلم، فقط قصبة طويلة منتصبة وسط الساحة، يكفيك أن تصفق بيديك أو تنادي بأعلى صوتك: “وآآلدخول آلعيال” حتى ينتشر التلاميذ كالجراد نحو أقسامهم، يتدافعون أمام الباب بشدة، وغالبا ما تنتهي المعركة بسقوط ضحايا من ذوي البنية الضعيفة.

الحركة دؤوبة هذا الصباح، الفقيه وحواريوه متوجهون صوب منزل العياشي، إنه يوم زفاف ابنته شريفة، لم تكمل بعد الخامسة عشرة من عمرها، لا زالت صغيرة، لكنها في عرف البادية امرأة ناضجة، تطبخ، تكنس، تنقش الكيف، وتتسلق أشجار الزيتون في موسم الجني. زوجها احميدو مغرم بدكان القرية، ليل نهار يلعب البارشي وهو يدخن ما لذ وطاب من الحشيش المصفى.

لم أتمكن من إلقاء محاضراتي اليوم بسهولة، فكلما شرعت في الشرح يقاطعني رجل أو امرأة بالسلام، يطلون بجماجمهم من النافذة المغطاة بجزء من الطوبو، ثم يصرخون بكل ما أوتوا من قوة: “آلله يعاون آأزداد”. تصلك الزغاريد من كل فج عميق، تطرب الآذان لسماع العيوع الجبلي الأصيل وسمفونية الغياط الشهير بالمنطقة، لا يدخر جهدا المسكين من أجل إمتاع الناس، تنتفخ أوداجه، وتحمر وجنتاه، ويشرع في شهيق وزفير طويلين، يكاد صاحبه الطبال يهوي أرضا وصاحبنا لا زال ينفخ.

في مثل هذه المناسبات السعيدة لا بد للمعلم أن يكون متواجدا بمقر المأدبة تعبيرا عن الكرم البدوي الأصيل. أجلسوني أمام الفرقة الموسيقية القادمة من وزان على متن أول سيارة من نوع 207 في إطار مشروع للنقل السري. جمع غفير من الناس هنا، الدوار كله حاضر، ليسوا في حاجة إلى بطاقة دعوة بل يكفي سماعهم للخبر عبر بوق المسجد. ليلة جميلة قضيناها في خيمة العرس، وخصوصا عندما اختلط الرقص بالرفس والركل، فانقلب الزفاف إلى معركة حامية الوطيس بين آل العياشي وشرذمة من الصعاليك أقبلت متطفلة من الدواوير المجاورة استجابة لنداء الطقطوقة الجبلية.

اقرأ الجزء 10

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

من اي ابواب الثناء سندخل و باي ابيات القصيد نعبر و في كل لمسة من جودكم و اكفكم للمكرمات اسطر كنت كسحابة معطاءة سقطت الارض فاخضرت ، كنت و لا زلت كالنخلة الشامخة تعطي بلا حدود فجزاك الله عنا افضل ما جزى العاملين المخلصين و بارك الله لك و اسعدك اينما حطت بك الرحال

لك مني كل التقدير والإحترام، بارك الله فيك.

‫wpDiscuz