الرئيسية » عين حرة »

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 14)

البحث عن الريزو في الفرعية كالبحث عن إبرة في كومة قش، لا أثر ولا وجود له، إذا أردت التحدث بالهاتف عليك فقط، وحصريا بشجرة الزيتون أعلى الجبل، قرب ضريح مولاي بوعزة الذي لم تنفع بركته في جلب الريزو بقدر ما استقطبت عشرات الجهال الطالبين للبركة.

أصعد فوق غصن طائش مليء بالثقوب السحيقة، أتكئ على شجرتي الحبيبة، وأمسك بهاتفي الزرواطي وأجري المكالمة، شريطة ألا أتحرك، وأن أظل جامدا في مكاني كعجل السامري، وإلا لولى سعادة الريزو إلى غير رجعة. الوسيلة الوحيدة للتواصل مع رفاق الدرب في الفرعيات المجاورة هي البرقيات والرسائل الورقية، إذا أردت وصولها في أقرب وقت فعليك بخميس ممتطيا صهوة البغل الوسيم، عدو الحكومة الشهير، وإذا لم يكن الظرف طارئا فما عليك سوى إرسال مجموعة من التلاميذ الكسالى. قبل إيصال الرسالة لا بد من سرقة البرقوق والسفرجل من حقول الدواوير المجاورة، ثم بعد ذلك يشربون بنهم من بئر الشيخ، العذب الشبم، ترسلهم صباحا ولا يعودون إلا بعد صلاة العشاء، وعلى شفاههم المتيبسة آثار جريمة السطو؛ زرقة قاتمة تزركش أفواههم، أما زعيمهم احميدو فيبدو مغشيا عليه من كثرة استنشاقه طابا، أنفه الملولب أصبح كنفق قطار مظلم.

يجتمع المعلمون الشباب كل أحد عندنا في الفرعية، نبدأ عشيتنا بلقاء كروي ساخن مع فريق الدوار، الفرق بيننا وبينهم كالفرق بين الدجاج الرومي والفراريج البلدية الأصيلة؛ نحن، أبناء السلطات، نلعب بأحذية رياضية وواقٍ سميك لأرجلنا، والذي لا يتوفر عليه يستعين بكارطونا، أو جوارب قديمة يلف بها ساقه، أما الإخوة في الله فيحرثون الملعب طولا وعرضا بأقدامهم العارية السميكة.. كانت اللقاءات حميمة دائما، فالعلاقة بيننا وبين أبناء القرية تجاوزت حدود الأخوة والصداقة، وبعد مقابلة حامية الوطيس من جهة واحدة فقط، نعود أدراجنا إلى المدرسة كي نتناوب على مرحاض السكنى للاغتسال، خمس لترات من الماء لكل فرد، ومن لم تكفه فما عليه سوى مغادرة المكان بصابونه الجاثم على جسده، فالماء قليل، والعين جافة، ثم نلتف حول مائدة خشبية مستديرة، عليها خبز الكانون الشهي، وأربع دجاجات اشتريناهن من عند الخالة زهيرو، المسكينة مرارا ما تختار لنا أجودهن لحما وأجملهن منظرا، قائلة لنا: “بصاحثكوم آلحبايب، داكلوهام بالصحة والعافية…”. وبعد هذه الوجبة الدسمة ينطلق سمر ليلي صاخب على وقع تقرقيب الضاضوس، ونغمات بيت الصداقة.

اقرأ الجزء 15

كتاب يوميات معلم بالأرياف بمكتبات وزان
  •  
  •  
  •  
  •  

السعيد الدريوش

باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

عدد المقالات المنشورة: 40.

خلاصات السعيد الدريوش

اقرأ لنفس الكاتب:

اترك تعليقا

أعلمني عن
ترتيب التعليقات حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تقييما

تبارك الله على صاحب اليوميات، الذي ما يفتأ يتحف قراءه بالجديد.

‫wpDiscuz